: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

وصفة أرسطو التاريخية للسعادة: "الفضيلة أولًا"

ربط أرسطو العادة بالفضيلة، أي كن فاضلًا تسعد... كيف؟. جد هدفًا كي تحقق قدراتك الكامنة، وتشتغل على سلوكك المنشود، من أجل أن تصبح النسخة الأفضل من نفسك.

إيلاف: هناك اعتقاد واسع الانتشار بأن فتح صفحة جديدة في حياتنا يؤدي إلى قلب عالمنا رأسًا على عقب، وأن العيش حياة سعيدة يتطلب انضباطًا حديديًا وقوة بطولية. 

الكتابة التي تنتمي إلى جنس المساعدة الذاتية تعيش وتموت على هذه النظرة المتطرفة، التي تقول إن علينا أن نأكل كما كان يأكل سكان الكهوف، وأن نتسلق جبالًا بعيدة، ونرفع أثقالًا كبيرة، ونمارس اليوغا في بيوت زجاجية، ونشارك في سباقات الماراثون كي نكون سعداء متعافين.

الفلسفة بصفتها علاجًا
في الثقافة الغربية، نادرًا ما يحظى الاعتدال والتروي بالقبول. لكن أديث هول في كتابها "طريقة أرسطو: كيف يمكن الحكمة القديمة أن تغير حياتك" Aristotle Way: How Ancient Wisdom Can Change Your Life  (المؤلف من 254 صفحة، منشورات بنغوين، 27 دولارًا) تستوحي الفيلسوف اليوناني الكبير للدفاع عن الاعتدال.

يرسم كتاب هول الجديد طريقًا وسطًا تقترحه على القارئ في سعيه إلى السعادة أو ما كان اليونانيون القدماء يسمّونه الرخاء أو الازدهار. لكن هذا الرخاء لا يمت بصلة إلى الهوس بالنجاح المادي في عالم اليوم، بل يعني "إيجاد هدف كي تحقق قدراتك الكامنة وتشتغل على السلوك المنشود من أجل أن تصبح النسخة الأفضل من نفسك"، كما تقتبس صحيفة "نيويورك تايمز" من هول في مراجعتها الكتاب، مشيرة إلى تأكيد المؤلفة أن أرسطو يمكن أن يساعد على اتخاذ قرارات مسؤولة ومراجعة الذات لبناء حياة هانئة.

تلاحظ "نيويورك تايمز" أن أديث هول، أستاذة الدراسات الكلاسيكية في كلية الملك في لندن، ليست أول باحث معاصر يدّعي أن الفلسفة، وخاصة الفلسفة اليونانية القديمة، قادرة على تغيير حياة المرء، بل وحتى إنقاذها. قبل ربع قرن، ذهب المؤرخ الفرنسي بيير أدو المتخصص في الفلسفة القديمة إلى أن اليونانيين أرادوا أن تكون الفلسفة "علاجًا لتوجسات الإنسان وعذابه وتعاسته".

لا إفراط
تقول هول في كتابها إنه بخلاف الرواقية المتشائمة التي توصي بقبول المصائب باستسلام عندما تحدث، فإن الحياة التي تستوحي الفلسفة الأرسطوية لا تقول بتحمل المحتوم فحسب، بل ومعرفة المواهب الخاصة أو النوازع الطبيعية في كل منا، ثم اتباع مسار بثبات ودراية في مجرى حياتنا بتوظيف هذه الطاقات والقدرات الذاتية، وإن هذا السعي سيجعل المرء سعيدًا بعمق.

بحسب هول، الفضيلة الحق، الجوهر الداخلي للسعادة، مسألة تتعلق بالعيش وفق القاعدة اليونانية القديمة التي تقول "لا شيء بإفراط". وكان أرسطو من قال إن الصفات والعواطف الشخصية كلها تقريبًا مقبولة، بل وضرورية للنفس المتعافية، شريطة أن تكون موجودة بالمقادير الصحيحة. وهو يسمّي المقدار الصحيح "الوسط" أو "المتوسط" meson.

تدعو هول القارئ إلى السعي إلى تحقيق هذا "المتوسط الذهبي"، أولًا بطرح عدد من الأسئلة التشخيصية: أي نوع من الكائن الأخلاقي أنا الآن؟. هل أنا ميّال إلى الحسد أو الانتقام أو الغضب أو الشهوة أو الثقة المفرطة أو الجُبن الخفي؟. هل أجد متعة شديدة في الأشياء نفسها التي تقف في طريق سعادتي على المدى البعيد؟. بحسب هول، إذا كنت غير قادر على الإجابة عن هذه الأسئلة الشائكة، أو غير راغب في ذلك، فالأفضل أن تتوقف عن قراءة كتابها عند هذا الحد. فالصدق والاعتراف غير قابلين للتفاوض عندها.  

كن فاضلًا
على حد تعبير هول، قد تكون مراجعة الذات شأنًا خاصًا، لكن أن يكون المرء فاضلًا ليس شأنًا خاصًا. و"مشروع السعادة"، كما تسمّيه، لا يمكن أن يتحقق وحده، بل يعتمد على نوع العلاقات التي نبنيها أو نهملها. العمل مع آخرين هو محك الفضيلة الأرسطوية. 
تشرح هول كيف أننا يمكن أن نخذل أحدنا الآخر، ثم نخذل أنفسنا. وفي أيامنا هذه، كما في أيام أرسطو، تُختزل الصداقة إلى متعتها أو منفعتها. ولا ضير في صداقة كهذه سوى أنها "تكون مكشوفة للانتهاء في وقت مبكر"، كما تكتب هول. 

يقول أرسطو إن هذه العلاقات "تُفصم بسهولة... وعندما يزول الدافع وراء الصداقة تتفكك الصداقة نفسها". وكان يرى أن العلاقات الدائمة تقوم على احترام متبادل للفضائل التي يثمنها كل طرف. الأصدقاء الحقيقيون والأحبة الحقيقيون والمواطنون الحقيقيون يريدون ما هو أفضل لبعضهم البعض. ولكن ما هو هذا "الأفضل"؟. إنه السعادة بالطبع معرَفة بكونها السعي إلى الفضيلة أو ارتقاء المرء إلى مستوى قدراته الأكمل. 
 
"طريقة أرسطو" كتاب زاخر بالمحاجَّات المضادة: هل حياة الرذيلة سعيدة؟. الجواب "لا" قاطعة. وكما تشرح هول، فأرسطو الذي عاش قريبًا من العائلة المالكة المقدونية والطاغية فيليب الثاني ودسائس زوجاته وجواريه ومؤامرات مساعديه، لاحظ بدقة تعاسة الأشخاص المجرّدين من الأخلاق. لعل هذه هي اللحظة التي علينا أن نتوقف عندها، ونفكر في استحالة السعادة من دون فضيلة.
 
 
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "نيويورك تايمز". الأصل منشور على الرابط:
https://www.nytimes.com/2019/01/23/books/review/edith-hall-aristotles-way.html
 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. عصرنا عصر الفلسفات الانتقائيه - لدلم سلوكياتنا مضطربه
عدنان احسان- امريكا - GMT الخميس 07 فبراير 2019 14:57
نعم ان شرط السعاده والنجاح هو «إيجاد هدف كي تحقق قدراتك الكامنة وتشتغل على السلوك المنشود « والفلسفه تساعد على تصور الفكره لاتخاذ قرارات مسؤولة ومراجعة الذات قبل تنفيذها ، وانسجام الفكر بالسلوك شرط النجاج و لا يتعتبر المنتمي فيما ينتمي اليه الااذا اقترن السلوك بالفكر - وبعدها يتحقق الهدف وتكون النتيجه هي النجاح حتى لو كانت فكره شيطانيه . الفلسفه مرتبطه بالوجود والوعي والعقل ولا يوجد مخلوق ليس لديه فلسفه وثقافه موروثه تحدد سلوكاياته - وافكاره واهدافه ، ان كان يدري او لايدي ، ومن اعتقد ان الفلسفه اليونانيه هي الحل فلاباس والا سندخل في متاهات التي ادخلتنا اليها الكتب المقدسه والفلسفه الميتافيزيقيه التي كان حلا واصبحت عله العقل .وليس اليونانية القديمة فقط قادرة على تغيير حياة المرء وإنقاذها. بل كل الفلسفات هي «علاجًا لتوجسات الإنسان وعذابه وتعاسته». وان اختلفت المدارس الفلسفيه في كل عصر وتعددت اهدافها مع التطور لكي لا تبقي جامده .. والمدرسه الرواقية المتشائمة التي توصي بقبول المصائب باستسلام عندما تحدث، لازالت موجوده ، وارسطوا كان على حق بان بان تجاوز المحتوم يكون بمعرفة المواهب الخاصة أو النوازع الطبيعية في كل منا، ثم اتباع مسار بثبات ودراية في مجرى حياتنا بتوظيف هذه الطاقات والقدرات الذاتية، وإن هذا السعي سيجعل المرء سعيدًا بعمق.واخطأت هول- بان الفضيلة الحق، الجوهر الداخلي للسعادة، التي تقول «لا شيء بإفراط». وارسطو اشترط للنفس المتعافية، أن تكون موجودة بالمقادير الصحيحة - والسؤال ماهي مقاييس الافراط - وماهو ميزان المقادير الصحيحه؟ وفي الختام - كلا واحد منا له تجربه ارسطو -حتى قبل ارسطوا عولجت مثل هذه المسائل ولكن ليس بطريقه الحوار الفلسفي والفرق ان في حقبه ارسطوا سنحت الفرصه للمدارسه الفلسفيه لترتيب اورقها ، ولو في عصرنا اعطينا الفرصه لفلاسفتنا ، لكان كل واحد منا ارسطوا على طريقته، والفلسفات القديمه جزء من سلوكيتنا وافكارنا وكلا اختار واقتبس ما يتناسب منها حسب طريقه تفكيريه ليحدد سلوكياته واهداف - واليوم هو عصر الفلسفات الانتاقائيه حققننا النجاح - ولم نحقق السعاده / لذلك سلوكيتنا مضطربه .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات