: آخر تحديث

عبدالله السمطي: الاسم كيتي عقل

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أبعدُ من ضوء يتأنى
قبل محاورة القطرة فوق جبين الأزهارْ
أبعدُ من شرفة موالٍ تبصرُ موسيقاها قادمة
من دغلٍ لا يرقص إلا
حين تراوده الأشعارْ
أعمقُ من لفتات نهايات الوردة
حين يفسرها نجمٌ ثلجيٌّ
وبلادٌ 
تسرد في برعمها رائحة الأقمارْ 

قسمات تديرُ الرأس المتأمل. إذا شاهد الطير نقرته البعيدة يصغي لسماء مرمرها. تقول نظراتها أشياء كثيرة وتعوي في كيمياء الغياب. هنا عنصر من سحر فوق عنصر فيزيائي لا يرى لكنه يحس. تدرب عشبتين على سرد الندى وغيمتين على الخصام.. تكون " كيتي" حين تلمح الألوان ملقاة في طرقات وعيها. تخصّبُ لوحتين ولا أدعي أن واحدة منهما لي. لا أدعي اقتباسات قوس قزح. أنا الغريبُ هناك اللا متأمل في مياه عرشها الذي يطل على صنوبرة خضراء لم تجفف شعرها في شمس برونزية. 
الذهبي يسيلُ من كل شيء
لم تكن خصلاتها ترتمي على سفوح الشقرة. لم تكن بسمتها المكنوزة التي لم تخرج لوجود الصورة إلا نادرا تمنح المتأمل سوى تخيله أنها تبتسم. 

الذهبي ينهمر من كل شيء. 

وحدي أحاول أن أخللي بينها والسماء
تعصف " كيتي" بكل شيء داخل السؤال. 

تفكر كيتي دائما
في أورجازم العلاقة بين الريح والرمل، أو بين العشب وغمامة عابرة، أو بين حجر يفكر بالنقش على الماء. كهرباء أصابعها تنهض في خامة بلاستيكية خشبية حديدية . كأنها إنجيل يتمرن على القداسة. لا في الكهرومغناطيسي تتألق وحدها معها المطلق الذي يدلي ساقيه ليبتكر حياة جديدة. الفلزاتُ التي تعانق وحشتها في معمل ذهنها. الألوان التي تندلق في اللا مرئي. الأحجارُ الصغيرة حين تتحول إلى أيقونات تتكلمُ. كل شيء يصبو إلى فسيفسائه كأنه يبحث عن دهليزه الأسمى. 

أصابعها تطأُ الشيء كفراشات مخلوقة للتو طالعة من شرنقاتها. وحينا تطأها بمعول يضرب كي يخلق. تتدحرجُ الأشياء كمخلوقات جديدة. الصلصال ليس روحا تماما، وشهقات الحجارة مغلولة، والسماء على مقربة من إزميل منتصب في حنينه. 
تمرمرُ سقوف الأعالي لا شغف يضجّ. كل شيء يحلم بلمستها كأنها تنمق الحياة من جديد. 

-    ما هذا يا " كيتي" ؟
-    أمزج جسم الماء بجسم النار؟
-    ما هذا يا " كيتي" ؟
-    أتحدى العالم حين أدقق في مطلقه أو غايته أو معنى أن أتحرك أو أسكن ، معنى أن أتواتر في شبق الأفكارْ
-    هل يتعرفُ قلبكِ أم بصرك؟ جرح الدنيا؟
-    منذ ولدت وفي ذهني دنيا أخرى، في ذهني مزمور قديس يخلق عالمه أكثر. يمضي في نسق الفوضى ويهاجر من صلوات الليل إلى آثام المعنى في كل نهارْ 
-    ما هذا؟ ما ذاك؟ وكيف؟ لماذا؟
-    لا تسألني أكثر .. وحدي أتعشى آخر أفكاري ، أصلبها فوق قيامات الغابة حين تعمدها الأمطارْ 

" كيتي" حين تفكر في أنوثتها تذهب إلى سلالة الغموض. أيتها النظرة المندلقة من وعاء الحزن. لا كأس من فرح مملوء. فارغة الزجاجات تماما ما قيمة الكؤوس إذن؟ وحدها الأنثى التي تمزجك بوعي العالم. بحيث إذا فكرت في بياض وجهها لن تكون محايدا، ولو ألقيت بذهنك ألف قبلة على شفتين تقولان بصمتهما حدائق من ثرثرة لن تقنع تماما إلا إذا أصغيت لسموات الأنف وفراديس الخدين وجحيم الوجنتين وتزحلقت أحلامك على حاجبين مشقرين وفوق جبين ممتد كالدهشة صليت لسبع شموس . 
" كيتي" أن تشقك نصفين
نصفا يرى
وآخر يحلمُ
كيتي أن تناديها ب" خاتون" مرة وب" نفركيتي" مرتين 
نقية كدهشة تكاد أن تقع من بلكونة المنتهى 
على خاصرة طريق لم تمهده اللحظة إلا بجداول وأنهار وبراكين خفيفة من سندس ربما تمر أكثر

" كيتي" حياة القديسات. عسكرة الضوء في ثكنة من عتمات. إطالة احتلال الحلم بلا عينين تتشوفان. لا تقترب من يديها حتى لا تحرقك نار الفتنة أو اللمسة. ليست عادية تماما كما تدعي ولكنها ملاك ذائب على ذبذبات الهواء كلما تنفست قصيدة شهقتها. كلما انبثق برعم سردها. كلما أمطرت غيمة ارتشفت شهد نظرتها

لم تحزن تماما ولم تفرح تماما : البيروتيةُ الأرمنية الكندية الفرنسية معا. تسيلُ ضادات اللغة في فصحى لسانها كأنها بسطة أيقونية تنز أشعارها. تتسللُ جوار النهر، وتمضي جوار البحر، تتمشى فالشوارع حنطة وربما خبز لا مرئي لا تراه سوى الطيور. تتحدث الجدران والشوارع والبنايات: ها هي كيتي أمامنا لا نأكلها لأن الأقمار الصغرى لا تؤكل . لا نشربها لأن قوارير العطر لا تحتسى. فهلموا يا كلمات : صفوا مشيتها وابتسامتها الغائبة . هلموا يا بنات بالأيائل وسلال الفل . انتقوا من وعيها المجدلي صلوات من نور . خططوا لصلبانكم القادمة . إنها تعبر . املأن يا بنات عيونكن من بحيرات عينيها الصافية. قعن أمام رقصتها حالمات. وقفن حين تعبر . المجد لسمواتها وعلى مقرات الصهيل السلام. 

تجرب " كيتي  عقل"  .. عقل اللون
هذه المرة ستمضي معه إلى تجريب معملي: تمتشق الفرشاة يدها، تبصر في هذا البياض المزعوم للوحة . تندس في الزرقة . الأحمر يصرخ بشراهة. تندس في الأخضر يتعرى الأصفر . الفيروزي يسبح في أحلامه اللازوردية . الليلكي يتفستق أكثر . ليس في بروز اللون دهشته هذا النتوء وعي الأنوثة. تظللُ البياض تضيئه . يتكلم بعينين من يد وفم يبصر. تتحرك كيتي أمام لوحتها : يا ترى من يرقص للآخر؟ لن تقول اللوحة: أنا صنعت نفسي من مجد يديها. اللون يقهقه أكثر: ليست اليد التي رسمت ولا العين . إنه الوعي الغامض. الجوهر هو من يرسم ويفكر ويرى. كلنا أدوات الجوهر. ها هنا الغاية التي تمضي لها المذاهب. هي علاقة التماهي بين النظرية والتطبيق. لنكن فادحين تماما كي تفضحنا الفكرة . 

الفمُ الحزين مرسوم بأناقة التلقائية. الشفتان تنسكبان على قبلة متخيلة. طرية قبلتها كخجل مطويّ. لا تخمن أن الشفة العليا تتجمل للسفلى فلن تحس إلا إذا قبلت. ولن تفسر هذا الحزن إلا إذا توضأت بلمسة شفوية . لن تدرك تماما كيف يتماهى الجمر والورد والخمر في بقعة من فراولتين أو في تأويل آخر : كرزتين صامتتين. هي على اليقين لا تفكر في كل هذا الغزل لأن صرامة ما تجعلك تتردد حين ترى السلطة العليا لعينيها تنظر بحصافة القتل. ستصبح مقتولا أبديا لو خمنت أو فسرت أو أوّلت معنى أن تصمت شفة على شفة. وهما تحبسان: الجمر والورد والخمر . ربما بقبلة واحدة يتغير العالم.

العينان حزينتان. على اليقين لا تفكران بمن قتلتا ، ولا تفسران مقولة الشاعر القديم: أيهم فهم كثر" هما تسترسلان في البحث عن السحر . تغمضان على فكرة حالمة تقولان مجلدات عن فيزياء العنصر واحتراقات الأكوان وجحيم المطلق والسموات السبع والأرضين السبع والبحار والشواطئ والأسماك التي لا تتحمل رعشات أمواجهما. 
العينان الحزينتان تأسران شاعرهما لكنه لا يستطيع التنبؤ بعصور الزلازل القادمة ولا يستطيع الكتابة لأن الملاكين الغامضين النائمين في عمقهما لا يملي عليه أية قصيدة منذ قرون من الثواني الشاهقة. 
العينان الحزينتان فرحتان بحزنهما

-    كيتي: ما رأيك في الحبّ ؟
-    قلبي مشغول كيف ينور آخر ضوء في زمن الأحجارْ
-    كيف تصليّن إذن؟
-    بين محاريب الأنوارْ
-    والبركان القادمُ ؟
-    يأتي حين أحبّ كثيرا كيمياء الناي وهرطقة الأسفارْ !
لا تجرح " كيتي" نبضا 
لكن تتسلل بالأحرى لتعانق حقلا ضوئيا، وتغيّر لو لمست عمق التيارْ
لا وقت لحبّ . الوقت مرايا تكسرنا. الوقت المختزل تماما لا يبقى فوق سياج الروح وقضبان التذكارْ 

هذا الصباح تتمشى جوار البحر . الزرقة ملكة الألوان . وأزرقها الكامن بالروح لا يتجرد تماما. التجريد لغة الوضوح. التجريد أن تذهب لمغازلة الشاطئ من دون تفسير موجة واحدة. التجريد حين يفسر غصن قدمي طائره. التجريد رعشة العالم. و" كيتي" تحلقُ أبعد. كم فكرة تتجوهر في خاطرها. الممشى قريب وبعيد معا. هي التي تحتدم المسافات بخطاها لا تعرف ضدا. الكل متجوهر وذائب في الهيولى. لا ضد بل تماثل لأن الفن يصالح بين الضدين. وهي العارفة بضوء الخلق الأصلي حين تحنّطُ فكرتها في جسم ما . كائنات حيوانية أو كائنات تطير . التحنيط صمت يتكلم. حياة تسرد سكونها وأرواح جمدها الزمن لكنها تسيلُ في المكان. 
تقول كيتي بعض الشيء. لا تخبر حواسها عما تفعل تترك الحواس تجتهد أن تصيب. أو تخطئ. يبرر الحلم ما تصنع ولكنه لا يصنع ما تبرره. 

ثمة عاشق يأتي من بعيد. وردة وحلم وسيف. لا عنق للوردة بل للحلم. يمهرُ كلماته فقط كلماته. يصبو لشرنقات الروح. بحدقة ناشطة ولا ناشطة. تكبر في عاج الكلمات وغابات الامتنان. تسكرُ كلماتها حين تقول وتسكره معا. الصور البعيدة محض صور بعيدة لكنها خلاقة . معجم مكتنز من لفتات تحملق في العمق . لا ينسج كلماتها إلا على ضوئها . هي الحقيقة – الحياة وثمة عاشق. ثمة عاشق ما . 

كلمات كيتي، وحزن كيتي، ورقصة كيتي في عمق التأمل والتخيل والتدلل والتجمل. بحر من الحياة وحياة من البحر. الماء صنو كيتي كل شيء حي يتموج في الذهن. تذهب ولا تأتي . تأتي ولا تذهب. تطيل من عنق التلصص على الأشياء لتعيد سبكها في كيمياء يديها وفي جغرافيا الوقت. الليبيدو يكمن أو ينشط والأورجازم يدور، والإكسير لا يتنفس أوكسجين ولكن رؤيا . تنفتح مخيلتها أكثر حين تمر المادة الخام على أصابع دهشتها . هذي الأفعى فوق يديها برعم زهر. والزهرة فراشة. والفراشة أيقونة. والأيقونة كتاب يصغر .. والقارئ قلب المطلق. 

مري يا كيتي من طرقات الضوء
ومري من عبق الصحو وآهات جذور الكلمات المستلقية كجنات في ذهن الأطيارْ
مري من هذي الدنيا كي تتجمل سفن الحلم
وتحملُ من سلع المطلق فكرا أو شعرا أو غزلا
كي نتأمل تحت نسيج الموج تجاعيد خيال البحّارْ
مري من حدق الأشياء
لنعرف كيف نحملق أكثر في شمس المعنى
ونحاول أن نتكحل كالأهداب بعصر الأنوارْ
ما كل سماء تبرق
ما كل فطيرة فردوس تحرق
ما كل غياب توضحه ثرثرة ودوارْ
في عينيك صلاة الرؤيا
وعلى شفتيك حرائق من أشعارْ !

الرياض 
1 مارس 2019
الساعة 5.35 صباح الجمعة 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. جهاد الكلمة
جميل - GMT السبت 04 مايو 2019 15:19
وأنا أتخبط بين السطور وكأنني أحفر في صخر .. وصلت إلى ( كأنها إنجيل يتمرن على القداسة ) .. عندها انتشيت .. معنوياتي ارتفعت .. شعرت الآن أنني على عتبة اجتياز سنة أولى أفك شفرات هذا النوع العويص من الكتابة .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.