: آخر تحديث

"أقسى الشهور" لشاكر الأنباري إدانة الإحتلال الأميركي للعراق ومخلفاته

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مثل القتل والخطف والتجارة بالأعضاء البشرية والدمار والتفرقة وانعدام الثقة وجلد الذات


أصدر الروائي العراقي الدنمركي شاكر الأنباري روايته الحادية عشر "أقسى الشهور" 2019 التي تركز على وصف واقعي ضمن تداخلات الزمان والمكان لأحداث العراق بعد الإحتلال: تفجيرات، قتل وخطف بشعة في منطقة الدورة في بغداد!
تبدأ هذه الرواية بالرصاصة التي تحدد مصير جلال مَلَك وتنتهي بها.
المواطن العراقي المسالم جلال مَلَك الذي يبدو من سلوكه أنه إسم على مسمى، مشغول بعمله وعائلته لولا التهديد الذي ينغص حياته ويقلبها على عقب "لم يبح جلال ملك  بسر الرصاصة..." ص1، التي تأخذ طريقها في نهاية الرواية "نحو رأسه دون أن يميز حقا، إن كان في حلم أم في يقظة" ص286.
حضورُ المكان المكثف وتأنيّ اللغة وتنوعها ونمذجتها للشخصيات في سرد واقعي فني أهم ما يميز هذه الرواية. 
المكان مكرس هنا لتناقل الأخبار من قبل شخصيات الرواية فتتكون عملية الزمكان ووصف الأحداث "الحلاق مشهور برواية الأحاديث السرية، والأخبار والإشاعات ..."  ص22 فالسرد هنا يتكون من عدة حكايات بلغة إنسيابة منسجمة متأنية تهتم بالنمذجة لا تكتفي بالوصف الخارجي في اغلب الأحيان، غير مباشرة. "قبضت الشرطة على عبود الكهربائي...سكت جلال منتظرا منه إكمال ...خبر إعتقال عبود... سرق بيت جارهم، قال الحلاق سعد متمهلاً ... نحن وسط غابة، عمو جلال تخيل قبل أسبوع وجدوا أسرة كاملة مقتولة..." ص 24-25 
كمثال على فنية السرد وتأني لغته التي ساهمت في حيوية النص نقرأ في حكاية الكاتب عن بطله الأسير السابق عادل "جلس وحيداً مع  ... مع كأس، وضع شريطاً ل... سلمان المنكوب الذي يعده عادل من أشهر مطربي الحزن في العراق ودأب على سماعه منذ الشباب، وقبل أن يقع أسيراً لدى إيران،... يحلق في عالمه الإفتراضي هو الآخر من طفولته، وحتى اللحظة التي شاهد جسد سعد الإيمو مهشم الرأس تحت الرصيف." ص224 
إلا أن عادلاً يتحدث بشيء من الأمل رغم إحباطه فيقول: "أنا أخوكم العراقي، قال لكم سعد، يا أبناء الكلب. أخوكم كيف تسحقون راسه بالبلوكة؟!... حلاق، هو حلاق، لا أكثر ولا أقل، هل تفكرون أنكم ستفلتون من العقاب؟ مرَّ على هذا الشعب المسكين الكثير من أمثالكم، لكنه داس على رقابهم في النهاية، وواصل العيش. أنتم أشباح لا أكثر، ولهذا تضعون الأقنعة على وجوهكم".  ص 232
. البطل جلال ملك يعاني من الغربة "يعيش في تلك القوقعة" ص186والخوف، هو الشخصية الأقرب إلى الكاتب، إنه ليس السارد التقليدي ولا الراوي بل قد يكون صورة الكاتب يقترب منه أو يتماهى معه بلغته وتجربته الشخصية فيبدو كأنه هو الذي يقدم أبطال الرواية واحداً تلو الآخر وكأننا في ألف ليلة وليلة، ووصفاً دقيقاً بعدة طرق لبغداد ومناطق أخرى من العراق مثل الرمانة والكرابلة والعبيدي، لكن التركيز أكثر على شوارع الدوره مسرح الأحداث والسرد: الطعمة والديرالذي يغيره "الدراويش" المتطرفون إلى الزير، وشارع ستين وجسر الميكانيك ومدرسة سعد وجامع النور وصيدلية نور وغيرها من بعض الأسماء الحقيقية التي يعرفها سكان المنطقة. "...أثناء عبوره جسر الطابقين الواصل بين الكرخ والرصافة...نحو منطقة الدورة...وأمواه دجلة تتلاصف...وكانت ضفتا بغداد ممتدتين في أغوار الأفق شرقا وغرباً فبدت مدينة أشباح...وتتصاعد من مقاهيها المتآكلة رائحة العطن...تساءل في نفسه كيفية ... العيش في هذا البلد" 10-11  "وانحدر من الجسر ... ليدخل شارع الميكانيك، مرورا بالكنيسة. بابها مغلق مثل باب الدير..." ص18
ويختار الروائي مكان خطف الصبي جواد في منطقة " المعامرة منطقة شبه عشوائية ..." ص 248 ليتخيل أنه أقتيد في سيارة تجتاز السيطرات وتعبر شوارع بغداد إلى منطقة البتاويين لكي يتم "تفصيخ" أعضاء جسمه لبيعها للآخرين. ص250 و ص 266 يذكر الروائي أغلب أسماء بغداد ويستعرض قدرته في وصف الأماكن 262-263
الأماكن في بغداد مختلفة غير مندمجة حقاً ضمن المدنية الحديثة مثل منطقة المعامرة على أطراف الدورة الشرقية، وناس العاصمة أيضا رغم تآلفهم الظاهري لكن من السهولة اختراقهم وتشتيتهم والعبث بمصائرهم، لايمكننا التعميم إلا أن الإنسان هنا أما مجرم منتقم أو وضعيف مسلوب الإرادة، لامبال للجرائم، يُقتل الشاب الراقص سيف العروس والحلاق سعد أمام عينيه دون أن يحرك ساكناً، لايختلف كثيرا عن تناول الروائي حسين السكاف له في "وجوه لتمثال زائف" التي لا تصفهم بل تصورهم في أماكنهم الخاصة والعامة يقتلون الآخرين مقابل المال. وتتحول منطقة البتاويين إلى "مركز لتجارة الأعضاء البشرية" كما يقول عادل. ص264 
ولهذا فالناس المسالمون العُزّل السلبيون المغلوب على أمرهم يعلنون رفضهم للمكان الذي لا يؤويهم ولا يوفر لهم الأمان ويحدث خلل كبير في وجدانهم وولائهم له ويتلاشى شعور المواطنة، لا مفر من الهروب أو الرحيل عنه، عادل يقول "هذا البلد ملعون..." ص257 وإبنه طه "لا يشتاق إلى الوطن... آلاف العراقيين اليوم في تركيا والأردن و...في كل مكان، نحن مثل قنبلة...تبعثرت شظايا...هل يمكن لملمة أشلاء قنبلة مرة أخرى؟ ما الذي فعله هذا الشعب المسكين لكي يتلعثر بهذه الطريقة؟" ص 227
والإنسان نتاج المكان الذي يطوره ويدمجه مع الآخرين فيبدو العراقي هنا مختلفا عن البشر في تأملات الكاتب الفلسفية على لسان بطله جلال ملك، التي تشكل جزءا من مغزى الرواية الفني في إعادة فلسفة تكوينه، إذ يؤمن أن "جسده هو الآخر مصنوع من شضايا قنابل، وأكياس رمل، وطلقات، ودماء وثأر...مصنوع من طين ملوث بالديدان، ونظرات صارمة لرجال عتاة، يمسكون الهراوات...جبال محروقة بالنابالم،...ومدن مهجورة، ووجوه بلحى مرعبة... وخلال إنغماره في تأملاته الفلسفية...كانت ثمة أقدام غريبة تتجول في الحديقة وسط سكون عميق لا يقطعه سوى أصوات الشرطة الحارسة لمبنى الدير..." ص282 

الزمان 
تدور أحداث الرواية عموما بعد عدة سنوات من الإحتلال مليئة بالإنفجارات والقتل فدب اليأس بين الناس بعدما كانوا يتوقعون تحسن وضعهم، ومع ذلك نقرأ في السرد إيضاحات وتلميحاتٍ مختلفة عن الزمان "لجواد جسد ممتلىء،...رغم أنه لم يبلغ الخامسة عشرة... نساء الشارع تتعاطف معه ...وضعت له إقبال زوجة عادل، صحنا من الرز...وقد ورث جواد عربة أبيه كاظم، الحمّال في سوق الشورجة قبل التطوع للشرطة...تحولت منطقة الدوره إلى ساحة مواجهة ...وقتل كاظم موحان في تفجير...الخارجية...كان عمر جواد عشر سنين.." ص20-21 وهذا يعني أن زمن السرد بعد هذا الحدث 2009  بأقل من خمس سنوات. وفي مكان آخر "أنجز الملثمان دفن العبوة ...لم يبق سوى الإتصال بالموبايل المربوط بالعبوة، لكي تنفجر...خبرة تهيأت للجميع بعد ثماني سنوات...من القتل...أعقبت دخول أول دبابة أميركية إلى ساحات الكرخ..." ص56 يعني أننا في عام 2011 ، لكن جلال ملك يبحث في غوغول عن الراقص العراقي سيف العروس الذي قد يكون على الأرجح قُتل في هذ الفترة ذاتها. "قتل سيف الإيمو...في منطقة المنصور...هشموا رأسه ب(بلوكة)... قيل إن سيارتين رسميتين قامتا بالمهمة المقدسة". ص 152  
ويروي احد الابطال من الرمانة "اخو محمد خلف كان خطيب جامع... وحين دخل التنظيم الى الرمانة طلبوا منه ..." ص. 194 و "هاهو الزمن يمر منذ ان دخلت عاصفة الاوراق الجديدة الى البلد، زمن هبوب العاصفة استغرق سبع سنوات تقريباً ..." ص199  

من يقف وراء الجرائم
ي
قدم شاكر الأنباري تساؤلات العراقيين الأبرياء عمّن يقف وراء هذه الجرائم التي تقض مضاجعهم وتبث الفرقة بينهم "...الجميع يستهدف الجميع في حفلة... الذبح والثأر..." ص 64  ويصفها وصفا دقيقا ومفصلاً.
ويقول الروائي "هناك آلة ضخمة للقتل تتحرك بسرية تامة ..." ص 219،  ويوجه الإتهام إلى "سيارتين رسميتين" ص 152، الروائي حسين السكاف يصورهذه "الآلة"  في روايته "وجوه لتمثال زائف" على انها مرتبطة بالحكومة العراقية. 
هذه موضوعة مهمة تتناولها الرواية ليس بدون "جلد الذات" وتأنيب الضمير الذي اعتاد عليه العراقيون بعد الاحتلال ويكرروه باستمرار في وسائل التواصل الإجتماعي وفي مجالسهم الخاصة، وصار سؤال عمن وضع الرصاصة في سيارة جلال ملك لا يشغله وحده فحسب بل جيرانه أيضاً: "إقبال أكدت أن هناك عيوناً تنقل ما يدور في الحارة إلى الإرهابيين وأصبح الواحد يشك حتى في  جاره. لابد أن التهديد نفذه عبود..." ص 83 
إنها سردية واقعية فنية تعكس بالتأكيد خبرة الكاتب المتراكمة على مدى أكثر من ثلاثة عقود في الترحال والكتابة مكرسة لموضوعات متعددة وتقدم لوحة بانورامية عن المجتمع العراقي من خلال وصف المصائر العراقية المتنوعة بعد الإحتلال: جلال ملك المهدد، عادل السكيّر المسالم أسير الحرب العراقية الإيرانية سابقا يقدم الكاتب عنه وعن أخيه عمرحكايات ووقائع يجد ضالته في أغاني المنكوب الحزينة، جميلة صاحبة محل الملابس الحائرة بين البقاء هنا والرحيل إلى أختها أم حيدر في دمشق، نهاد رجل الأمن سابقاً، الهارب من الفلوجة، الصبي اليتيم جواد كاظم الذي يحلم بلقاء أبيه، أبو هند المتورط  كما يشاع عنه بالإرهاب والتجارة بالأعضاء البشرية، الحلاق سعد الذي يقال عنه "إنه ينتمي إلى مجموعة الإيمو الذين وصفوا بعبدة الشيطان، وشاربي دماء الأطفال والمخنثين ... في شارع ستين المحاذي لشارع الميكانيك" ص 146، والذي يقتل "بواسطة إبتكار رافديني فذ، أطلق عليه العراقيون إسم بلوكة" ص155 بنفس طريقة قتل سيف الإيمو العروس البشعة المعروفة للعراقيين. 
بينما ينتظر جلال ملك مصيره الغامض، لا يمر يوم من ايام العراق بدون تفجير أو اغتيال او خطف، وتوصف تفاصيل قتل سعد الحلاق، الجريمة "الأكثر تفنناً" "...تحركت...سيارة ..سوزوكي .. طوقوه بأيديهم. ...بطحوا سعد...إنهالت على جسده ثلاث عصي...فبدأ بغتة بالصراخ: أنا أخوكم العراقي،...هاتها، قال أحد الرجال لواقفين فوق رأس سعد... وأنزل بلوكة ثقيلة من الكونكريت...بلوك رافيديني من التربة ذاتها التي صنعت منها زقورات سومر، ومعابد بابل، وتماثيل آشور... وقف عدد من الأطفال وسواق السيارات يتفرجون على المشهد أمامهم بصمت..." 208-211 
وصف تفصيلي بارع من الداخل والخارج في ثماني صفحات لأبشع جريمة قتل تستحق التوقف عندها وتعليمها لتلاميذ العراق إذا أردنا بناء جيل جديد ينبذ العنف.

إدانة الإحتلال
قبل الإحتلال كان من الصعب على بعض العراقيين وبخاصة المقيمين في الخارج إعلان موقفهم الرافض له، سيتهمون من قبل الآخرين بأنهم مع الدكتاتورية، وهي موضوعة يركز عليها الروائي حيث يقدم إدانة واضحةً لها:
يقول أحد أبطال الرواية "حسبنا أننا تخلصنا من التفتيش ... بعد أن تهاوى الزعيم في ساحة الفردوس..." ص15  
"هل أسفرت...عن نفسها ...أكذوبة التغيير المفيد التي إنطلت على جلال وأقرانه؟ وقتها صدق جلال، ...أن العاصفة ستحل مشاكلهم كافة... وتنقل البلد إلى مصاف الدول المتقدمة...غادرت الشركات الوهمية بعد أن حصدت غلتها من الدولارات..." ص 201
ويصف أحد الأبطال قرية الرمانة في غرب العراق "الرمانة هي حقا رمانة، وضحك الرجل مواصلاً كلامه، والسيارة تخرج من المدينة بخفة، لكن، ليست الرمانة التي تحتوي على حب أحمر حلو أو حامض، إنما القنبلة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت. منذ سقوط النظام ودخول الأميركان، لم نشهد يوما واحداً من الهدوء" ص192
ويقول أيضا " العاصفة التي جلبت صحافيين مغمورين... كتاباً تخصصوا بجمع الخطب الدينية ... منظمات مجتمع مدني...  يستمدون أموالهم من أياد خفية ... ومن فرق جيوش أجنبية ... بينما يأكل هذا الحشد البائس المنظر الهواءَ، ويتنفس الغبار" ص 273
رواية مهمة تستحق القراءة والدراسة وتفيد كثيرا في فهم المجتمع العراقي ثقافياً واستيعاب العبر والتجارب التاريخية.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات