: آخر تحديث

سليم بركات في الحيِّ اليهودي

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  "ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟"، هي الرواية الجديدة للشاعر والروائي سليم بركات، الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" (566 صفحة). وقد جاء في التعريف بها على الغلاف الخلفي: 
   "مراهقون يدرِّبون أعمارَهم على الثرثراتِ حُرَّةً، في خوفهم من حريةٍ يحْذَرُها المكانُ.
   سياقٌ جامع لمجتزآتٍ عن الحيِّ اليهودي في القامشلي، وعن الأرمن، ومناهج الخوف، مؤطرة بحكاية حب غير مكتملة، بعد حرب 1967، في دولة كلُّها إغراءٌ بالرحيل، وإبداعٌ للشَّغف بخطط الهجرة".
   لكنَّ هذا التلخيص الشديد لا يستوفي ولو لبعض الإشارات إلى البانوراما الشاسعة في الرواية عن الوضع السوري في الأيام التي تلت هزيمة حرب الأيام الستة سنة 1967، وعن الاستبداد البوليسي آنذاك الذي لم يتغير أبداً فيما بعد، وعن الدور المشبوه للشعارات والمخابرات في تسهيل هجرة اليهود من مدينة القامشلي، بتهريبهم إلى تركيا، ولبنان، ومنهما إلى قبرص حيث يتوزعون من هناك على فلسطين، وأمريكا التي استقرَّ الكثير منهم في حي بروكلين النيويوركي.
   هي في خطها العريض غرام فتى مراهق بفتاة من الحي اليهودي، ثم تنمو في السياق خطوط كثيرة عن الأكراد، والأرمن، وأيام الحرب، وثرثرات المراهقين المغرمين بالسينما.
   ربما الفقرات المجتزأة التالية من أجواء الرواية تضيء (بلا تأكيد) على شيء من مضمونها الواسع المتشعب:
1 ـ
   "لا كتبَ عندنا بالعبرية. لا أكتب رسائل إلى أمي بالعبرية ليجدها أحد. ليس عندنا بالعبرية إلاَّ التوراة في البيت"، ردت لينا. 
   "نحن أيضاً ليس عندنا شيء مكتوب بالكردية، يا لينا"، قال كيهات. أشار إلى عنقه بأصابعه كأنه يقطعه: "قد نُذْبَح".
   "ألا تعرف الكتابة بالكردية؟"، سألته لينا.
   "لا كتابة بالكردية. لا قراءة بالكردية. لا كلام بالكردية في غُرَف المدرسة. لا أكْلَ باللغة الكردية"، ردَّ كيهات.
   هأْهأَت لينا مستظرفةً:
   ـ لا أكْلَ بالكردية؟ بأية لغةٍ تأكل؟
   "بأسنان اللغة العربية"، رد كيهات.
   استطالت ابتسامة لينا على شفتيها الرقيقتين. سألتْه:
   ـ كيف تُكتب اللغة الكردية؟
   "لا أعرف. من اليمين إلى اليسار. من اليسار إلى اليمين. من الشمال إلى الجنوب"، ردَّ كيهات مبتسماً.
   "العبرية كالعربية، يا كيهات. من اليمين إلى اليسار"، قالت لينا. "سأعلِّمك كتابة إسمك بالعبرية".
   "لا"، تمتم كيهات متهيِّباً أن يُحْضِر إلى خياله ظلالَ حروفٍ وضعتْها حروبُ العقل، في دولته، على سويَّةٍ من غدر الشرِّ بالتاريخ.
   تدريس اللغة العبرية مُباحٌ في الجامعة، لكنْ على غايةٍ من مبدإِ "اعْرفْ عدوَّك"، وليس من مبدإِ تباهي العقل بمعرفة لغةٍ من تصاميم المعرفة. كيهات يحْذَر ـ من انتصار التلقين على أيِّ اختيارٍ ذاتيٍّ فيه ـ أن يقترب من المحذورات. "لا"، قال للينا ـ أميرة قلبه السرِّية. لن يقول لها "لا" قطُّ في أيِّ شيء آخر.
   "مِن اليمين إلى اليسار"، ردَّد قلبُه صوتَ لينا على أعماقه. العربية ـ لغةُ آخر الأنبياء، ومعجزةُ اللسان في كتاب الله المسلم ـ من اليمين إلى اليسار. اليمينُ استحقاقٌ من استحقاق التكريم القدسي. اليسار مُسْتسخَفٌ، بل وضيعٌ في المَرتبة. لذا يحبِّذ الشرعُ الإسلامي دفعَ المسلم للمال بيده اليمنى، وقبْض المال باليسرى اقتداءً بسُنَّة نبيِّه. دفْع المال باليد اليمنى خلاصٌ ممَّا يمثله المال من معاني الاستكبار، والجشع، والخيلاء، والإلتهاءِ المرذول بالثراء عن ذِكْر الله. وقَبْضُ المال باليسرى تحقير لمنزلة المال ومعانيه.
   ذهبتِ الخصومة بمذاهب الإسلاميين إلى التكفير، فالذبح في مسائل "التشبيه"، أيْ: تشبيه الله بالإنسان في أعضائه وصِفاته؛ وفي مسائل "التَّنْزيْه"، أيْ: نزْعُ كل صفة عن الله لأنه، في ذاته، لا يوصف. لكن استقرَّ التأويلُ الإسلامي على وصف الله ـ تنزيهاً له عن الصفات، او تشبيهاً له بالصِّفات ـ أنَّ له يديْنِ "كلتاهما يمينٌ". 
   لا يدَ يسرى لله في التشبيه. لا مسيرَ بالكلمات العربية من اليسار إلى اليمين. ربما لا مسيرَ في النطق بالكلمات العربية من يسار الصوت إلى يمين الصوت إلاَّ كلمة كيهات: "لا"، قالها للينا من يسار لسانه إلى يمين لسانه. أربكَهُ اقتراحُها أن تعلِّمه كتابة اسمه بالعبرية. مشى يجاورها عن يمينها إلى الغرفة الأخرى مُتَّخَذَةً مخزناً للأثاث، وللمؤونة، وللآنيَّة.
   
2 ـ
   لن يتمكن التاريخ الشفهي من رسم معالمَ للوقائع في اختفاء يهود من مدينة قامشلو. تحريضُ اليهودي على الخوف سارَ به، في ما يستظهره التوثيقُ الشارح، إلى ترغيبٍ في الاختفاء. أُخيف اليهودي ليتقاضى منه مهرِّبُه ثمنَ تهريبه. 
   سيُقال الكثير عن رِشىً فتَّقت أسلاك الحدود بمقصها بين سوريا وتركيا، وعن رِشىً تدبَّرت عبورَ عائلات، في سيارات تخص رجال أمن الدولة، إلى لبنان. في الجهتين ـ اللبنانية والتركية ـ كان الأمر منتظماً في تأمين انتقال المُختَفيْنَ، بأوراقٍ ثبوتية مزورة ـ جوازاتِ سفرٍ إلى إسرائيل، من الداخل التركي، ومن قبرص، التي يصلونها من مرفأ لبنان، وإلى الولايات الأمريكية حيث سيتردد اسم الحيِّ النيويوركي بروكلين كحاضنة للكثير من يهود قامشلو.
   اسم آخر غامضٌ تردد إلى جوار اسم عطية الحنوش، الحصين بأقربائه، في حزب الدولة، إنه اسم إمرأة: جُوْدي كَار.
   من هي جودي كار؟ ألإسمها السياقُ ذاته من إسم كوهين، الجاسوس الإسرائيلي، الذي مرَّغ طبقة الحُكم السورية، قبل حرب الأيام الستة، في سهولةٍ مُحتقَرَةٍ من استدراج رجالاتها إلى فخِّه؟ استنزف الطبقةَ الحاكمة، عسكريين وأسياداً حزبيين، شرفَ أسرار الدولة.
   جاء الرجل من الأرجنتين ثرياً، يحفظ آيات من القرآن، ويتحصن بتعاليم الدين الإسلامي، والهدايا. مهَّد لنفسه ـ بزعمه أنه من أصول سورية مسلمة ـ الدخول إلى أبراج السلطة بوساطة المآدب الفاخرة، أسبوعاً بعد أسبوع، للدبلوماسيين السوريين في بوينس آيرس، قبل اجتياحه دمشقَ بمآدبَ موائدُها أوسع، فاتنة الأطعمة والأشربة، أبهى صحافاً وصحوناً وأقداحاً.
   في ثلاث سنين تُقاس بأشبار الوقت القِصار، دوَّخ الرجلُ أربابَ السلطة السياسيين من أساطين البعث، وجهابذةَ الطبقة العسكرية بسحر كَرَمه، ولباقته، وإسرافه في إغداق النِّعَمِ من ماله حِلىً لنساء الأقيال، وبناتهم، ومحظياتهم. دخل معاقل التحصينات العسكرية السرية، مع ضباط كبار، في الجولان والقنيطرة. جلس أخيراً في بهو النظام مستشاراً لوزير الدفاع في العام 1966، أو مَن سبقوه بحسب تقسيم الوقت على الذين تعاقبوا على الوزارة الأخطر في تاريخ سوريا المتراخي كثدي الدَّردبيس من جهة، وتاريخ العنف المشدود كثدي الحورية في الجنة، من جهة أخرى. 
   في ثلاث سنين، لا أكثر، على مذاق الأطعمة المُبتكَرة شهيةً باقتباسٍ من مطابخ الطهاة الفرنسيين الحذَّاق، وعلى رنين الهدايا النفائس، خرق "كامل أمين ثابت" ـ كوهين ـ هَلَلَ عناكب السلطة في سوريا، ليضع التاريخ السوري، في هزيمة حرب الأيام الستة،، على سكَّة اللاعودة من الجحيم. 
   لم تنتبه استخبارات الدولة العسكرية، والمدنية، والسماوية، والسحريَّة، والخرافية، إلى السياق الذي وضع كوهين ، أمين ثابت ـ أمنَ الدولة فيه، وأمنَ جيش الدولة، وتحصينات الدولة، وطائرات الدولة، وحاضرَ الدولة وآتيها. شكوى صغيرة حملها هنودٌ من سفارتهم إلي دمشق إلى الاستخبارات العسكرية السورية: لقد رصدوا تشويشاً لا سلكياًّ على رسائلهم إلى بلدهم، مصدره قريب من سفارة الهند. دُهِمتِ البيوتُ القريبة من السفارة. عُثر على كوهين ـ كامل أمين ثابت ـ على آلته يُراسل بها قومَه. 
   أُعدم كوهين في ساحة "المَرْجَة"، وسط دمشق مشنوقاً، في الفسحة الواسعة بين أكشاك بائعي شطائر أكبادِ النعاج والبقر، ورئاتها مشوية على الفحم وجباتٍ سريعةً طعاماً يلتهمها العتَّالون واقفين.
   شُنقت مع كوهين أسرارُ حِصن الحكام في دمشق، سياسيين وعسكريين.
   "جُودي كَارْ" اسمٌ أكثر غموضاً من اسم كوهين الواضح في سياق الوقائع السورية. لم يهتدِ أحد إلى ربطه بكِسْرة من سيرة معلومة، أو مجهولة، سوى ارتباطه بإختفاء يهود من مدينة قامشلو.
   إنه اسمُ امرأة لحروفه نفحةٌ من نسائم الحدود التركية. لكن لم يجزم أحد أهو حقيقي أم مستعار لشبكة تولَّت استلام اليهود، لتوجيه عبورهم من تركيا إلى إسرائيل، ومن لبنان إلى قبرص فإسرائيل. لا يهم. صاحبةُ الإسم المرفَّه بهيبه السريِّ كانت فرعاً من عبور اليهود المختفين إلى استيطانٍ في مكان آخر.

3 ـ
   ـ ما هذا، يا بوغوس؟
   "حصلْنا، يا استاذ، على تصريح من دولة أرمينيا بالهجرة إليها"، رد بوغوس بحروف مستطيلات الأعناق ابتهاجاً.
   لم يتوقف أستاذ الجغرافيا عند خبر الهجرة إلى أرمينيا. طلب منه، في هدوء، أن يجلس:
   ـ أكملْ توزيع السكاكر بعد انتهاء الدرس.
   هرع بوغوس بسكَّرة إلى المعلم. وضعها في راحة يده، ورجع هرولة إلى مقعده جالساً.
   في فسحة الاستراحة، بعد انتهاء الدرس، أكمل بوغوس توزيع السكاكر على زملائه. أمسك كيهات بعضده مستثارَ القلب: 
   ـ سأفتقدك، يا رجل.
   "لستُ مغادراً غداً، يا كيهات. هناك إجراءات طويلة. لكنَّ الأمرَ حُسِم"، عقَّب بوغوس. تنشَّق الهواءَ ملءَ رئتيه: "سأعود إلى أرمينيا".
   "لم تغادر أرمينيا لتعود إليها"، قال كيهات. "ستغادر سوريا"، ثم ابتسمَ في خبثٍ: "قد تشتاق إلى بلدِ مولدك وتعود من أرمينيا إليه".
   أغمض بوغوس عينه اليمنى في مزاحٍ:
   ـ كانت أرمينيا مقيمة في سوريا بعقد استئجار، وها أنا سأعود بأرمينيا إلى أرمينيا حين ينتهي العقد.
   ابتسم كيهات مستلطفاً:
   ـ من أين تعلمت الكلام هكذا، يا بوغوس؟
   "من الحب"، رد بوغوس.
   تنهَّد كيهات:
   ـ كلما ازددتُ غراماً نسيتُ الكلمات.
   "أتحبُّ، يا ابن الملائكة؟"، سأله بوغوس كأنما فضح كيهات نفْسه.
   لكز كيهات بقبضة يده اليمنى كتف بوغوس اليسرى لكزة ناعمة:
   ـ جاءتك المعجزة أخيراً.
   "أتعني قبول الهجرة إلى أرمينيا؟"، سأله زميلُه، فرد كيهات:
   ـ هل من معجزة تعادل هذه المعجزة، يا رجل؟
   "هذه ليست معجزة، يا كيهات، بل إجراءات. ما حصل يوم الأحد في كنيستنا كان معجزة"، قال بوغوس.
   "ماذا حصل؟"، سأله كيهات.
   "بكت إحدى الأيقونات دَمَاً"، رد بوغوس.
   "ماذا؟"، تساءل كيهات مبتسماً كأنَّ بوغوس يمازحه.
   "القديس هاكوب نزف من عينيه دماً في الأيقونة"، أكَّد بوغوس. "دمعتان من الدم نزلتا خيطين من عينيه إلى لحيته".
   "كيف حدث ذلك؟"، تساءل كيهات.
   "معجزة، يا رجل"، رد بوغوس.
   "أشهدتَ الأمرَ بنفسك؟ كنتَ في المدرسة صباح الأحد"، سأله كيهات، فرد بوغوس:
   ـ عرض البطرك نَرْسيس بِدْروس الأيقونة على المصلين فرداً فرداً. أمي رأت دمعَ القديس.
   "أصدَّقتَ ذلك؟"، تساءل كيهات.
   قطَّب بوغوس حاجبيه استياءً:
   ـ أنت مسلم. المسلم لا يصدق المسيحي.
   "نَزْفُ الأيقونات"، مصطلح مِن رسمِ المعجزة للمصطلحات القدسية، سارت به الألسنة في أديرة الروس، قبل تهديم البلاشفة هيكلَ الدِّين لينسحب الدِّين إلى الأديرة، والكنائس مذعوراً. أيقونات القديسين بكت دماً من أسفها، بحسب التأويل، على آثام الإنسان لم يقتنع بالفداء الأعظم افتداه ابنُ الله بجسده كفَّارة عن إثم هو أصل البلوغ بالإنسان إلى المعرفة. والإنسانُ بلا إثمٍ إنسانٌ جاهل. جهالتُه هي حصالةُ إيمانه نقياًّ من الأسئلة إن رعاها زراعةً في الأُصص، مسقيةً ماءً، مغذَّاةً سماداً، أزهَرَ التجديف فيها.
   لربما استقى أساقفةُ تلخيص المعجزات الأرثذوكسيون مصطلحَ "نزْفِ الأيقونات"، من شُفعائهم الأوائلِ رهبانِ القرون الأواسط زعموا أنهم شهدوا تماثيل قديسين، بينهم تمثال العذراء، ذرفوا دماً من عيونهم الحجر. حصروا الظاهرةَ المعجزة في مسكوكٍ من الكلمات يخصُّ اليقين: "نزْفُ الأحجارِ المقدسة"، تدليلاً على الأسى الذي لا أسىً بعده من لوعة القديسين يرون إلى آثام الإنسان جاريةً الجرْيَ ذاته، في الساقية المحفورة بمِعْزق الله، من طين بداية الإنسان إلى طين نهايته.
   كيهات تمنَّى حصول معجرة، كأنْ يعود أبوه إلى عمله جابياً في مؤسسة الكهرباء، أو كأن توزع الدولة التبغ مجاناً على البيوت، أو كأن يسمع نداءً من لينا بغتةً: "أحبكَ".
   موسى تمنى معجرةً أيضاً، حين سمع من أخيه حكاية أيقونة شعب بوغوس، كأنْ يصيرَ أرمنياًّ تعترف الدولة بأرمنيَّته، وبحقِّه في طلب الهجرة إلى أيِّ بلد، في كل شارع فيه دارُ سينما، ومطعمُ عجَّةٍ مجاناً مع قدح من شراب اللبن. لكنه اكتفى من المعجزات بتركيب هلاليْنِ حديديين تحت أخمصَيْ كلِّ فردة من حذائه البني. أربعة أهِلَّة صغار، في الواحد أربعة ثقوب لتثبيتها بالمسامير تحت العقبين، وتحت مُقدَّميِّ الحذاء، يقرع بها موسى الأرضَ الإسفلتَ قرعاً صاخباً، ذا رنين.

4 ـ
   ابتسم كيهات، كعادته، ابتسامته الملتبسة حين لا يفهم. تمتم:
   ـ أصوات مَن؟
   "صوتي، وصوت الملاك الذي ينفخ في قرن الكبش، وصوت سمير"، رد نعيم.
   تراجعت ابتسامة كيهات الملتبسة، مُدركاً ما عناه نعيم تلميحاً إلى اختلاس كيهات النظرَ، مراراً، إلى زميليه، كلما ارتفعت الأصوات بترديد الأهزوجة: "يا يهودي..".
   "أُقسم لك، يا نعيم، أنني لم أكن اراقب كيف تتصرَّفان بصوتيكما"، قال كيهات. أردف يستحصل ثقةَ زميليه بقَسَمِه: "لو كنتُ يهودياًّ لغادرتُ التظاهرة".
   ضحك سمير:
   ـ زميلنا الكردي حساس جداًّ، يا نعيم.
   "نعم. كان من حقه، لو كان يهودياًّ، أن يغادر التظاهرة، ويتجه من فوره إلى الحدود التركية فيقتحمها مُولِّياً"، عقَّب نعيم. أردف محدِّقاً إلى كيهات: "أفي سيارة تستأجرها من استخبارات الدولة كنت ستغادر إلى تركيا، أم على ظهرِ حمارٍ حلبيٍّ أبيض، ضخم، أم مرتدياً قبعة الإخفاء، أم راكباً قارباً تجذِّف به عكس التيار، في نهر جَغْجَغ، إلى منابعه في جبال طوروس؟".
   تراخى كيهات بالصِّور قلقةً من عبورها في صوت نعيم ذي الخُنَّة إلى قلبه، لا إلى سمعه. أدرك خطأه في القول لو كان يهودياًّ لغادر التظاهرة. لو كان مثلهما يهودياًّ لظلَّ سائراً في التظاهرة، منتصب القامة مَظْهراً من اعتداد العسكريِّ بهيئته المنتصبة مستوفَزَاً؛ لردَّد الأهزوجة الشبيهة بالصفْع والرَّكْل، متمتماً بجسارة المتسامح: "هذا بلدي. فلْأحتملْ من أبوَّته نَكَدَ الأب".
   أكان تفكير كيهات، في تركيب جملته الأخيرة، المتسامحة، عزاءً حقاًّ في احتمال الإهانة؟ لن يمضي كيهات عميقاً في فكرةٍ لا يملك عمرُه القفزَ بنفسه إلى قراراته المعتمة: بلدُه خطأٌ جيِّدٌ، متحالفٌ مع مرتكبيْهِ الجيدين.
   "لم أعن ما قلتُه"، قدم كيهات اعتذاراً خفيضَ النبر لزميليه.
   "لم تعْنِ ماذا؟"، سأله سمير القصير، الأقرب إلى بدانة.
   "أن تغادرا التظاهرة"، أوضح كيهات.
   تبادل سمير ونعيم نظرتين رائقتين.

5 ـ
   "هذه أول مرة تحضُر مبكراً"، قالت لينا.
   أحس كيهات بخجل من قراره الحضورَ باكراً، على الرغم من توقُّعه سؤالاً كذاك. تمتم:
   ـ أستطيع الرجوع في وقت آخر.
   صمتت لينا. نظرت خلفها إلى باحة البيت تلتمس استحضارَ جوابٍ من فراغ الإسمنت الأخرس. سألته على نحوٍ مفتوح الخيار، كأنما لم يطاوعها عقلها باقتراح محدَّد:
   ـ أتريد الدخول، أمْ ترجع فيما بعد؟
   "مَن هناك، يا لينا؟"، تدحرج صوتُ راحيل على أرض الباحة عالياً.
   ردت لينا بصوت عالٍ أيضاً، بوجه أدارته إلى كتفها اليسرى:
   ـ إنه كيهات، يا أمي.
   ظهرت راحيل حافية من غرفتها جنوبَ شرق باحة المنزل، محلولةَ الثوب الرمادي المخطط الحاشية بياضاً وخُضرة، بلا وشاح على خصرها. نادت:
   ـ أهذا أنت، يا كيهات؟
   "أخبرتُكِ، يا أمي، أنه كيهات"، قالت لينا مستغربة سؤالَ أمها ذا النَّبر المتشكك في ردِّ ابنتها بلا داعٍ. جذبت كُمَّ الذراع اليمنى في ثوب كيهات جذباً رقيقاً، فمدَّ كيهات رأسه مطيعاً جَذْبَها كي تراه أمها. أكَّدت:
   ـ إنه الجار الكردي، صار له شاربان.
   هأْهأَ كيهات من ملاحظتها المتأخرة. ألم تلحظ بروزَ شعر شاربيه قبلاً؟
   "تعال"، صاحت راحيل. تأملته قادماً في خُفَّيه الإسفنجيين، وثوبه البِيْجِ ـ القميص الطويل حتى عقبي قدميه.
   لفتت بصرَ كيهات لفافةُ التبغ بين إصبعَيْ راحيل السبابة والوسطى في يدها اليسرى المتراخية الذراع. ابتسم محدقاً إلى اللفافة. 
   تنبهت راحيل إلى فضول نظرته المقذوفة تحديداً إلى لفافتها. ابتسمت:
   ـ أيدخن أبوك؟
   فوجئ كيهات بسؤالها. ردَّ:
   ـ نعم، يا ست راحيل.
   "أيدخن يوم الجمعة؟"، سألته، فردَّ كيهات ببعض استغراب في نبر صوته:
   ـ ما المانع أن يدخن يوم الجمعة، يا ست راحيل؟
   "أيدخن المسلمون يوم الجمعة؟"، رتَّبت راحيل سؤالَها بإضافة معنى إلى معنىً فيه استدراج، مُذ تعرف، قطْعاً، أن المسلم يدخن من باب بيته إلى قيامه من القبر يوم الحساب بلفافة تبغ في فمه.
   "إنه أفضل يوم للتدخين، يا ست راحيل"، ردَّ كيهات.

6 ـ
   "أنا الضابط حَسُّون شديد، في فرع الاستخبارات. أعندكم موظف اسمه أوسي حاجو؟"، سأل الضابط شخصاً في الطرف الآخر من أسلاك الهاتف لن يكون، قطعاً، إلاَّ مدير المؤسسة. تنصَّت إلى سؤال من الجهة الأخرى. ردَّ: "يعلِّم إبنَه إهانةَ الدولة وقوَّادها، إعجاباً بالأمريكيين. كيف وظَّفتموه؟ مَن وظَّفه؟ أمره يثير اسئلةً قد تُطاوِلُكم".
   بعد ساعة من وقوف موسى خارج غرفة الضابط، واقفاً إلى جوار الحارس الجالس على كرسي، وصل أوسي إلى مبنى فرع المخابرات على دراجته، تحت المطر، متبلبلاً لم يفتح من شدة القلق والانكسار مظلَّته. أسند دراجته الهوائية إلى الجدار قرب البوابة. سأل موظفين عن الضابط الكبير حسُّون فواكبه أحدهم إلى باب الضابط. أشار برأسه إلى زميله حارس الباب. نهض الحارس. قرع الباب. جاءه الإذن بالدخول. دخل الحارس متكلماً بنبرٍ شديد الاحتراس من قول أيِّ حرف زائد عن اللزوم في الكلمات:
   ـ سيدي. وصل والد التلميذ.
   "أدخِلْهما"، جاءه الأمر.
   دخل أوسي وابنه. تقدَّما خطوة فاستوقفهما الضابط منتهِراً بامتعاض صاخب، في تحديقه إلى ثياب أوسي التصق بعضها ببعضٍ بللاً:
   ـ أأنت مزراب؟
   أرخى أوسي بصره إلى حاشية سترته، وركبتي بنطاله، بأسف بليغ من عينيه، ومن لسانه:
   ـ لم يتوقف المطر، يا سيدي.
   "ماذا تفعل المظلة في يديك؟"، سأله الضابط.
   أفاق أوسي من غيبوبة قلبه. استعادَ عقلَه المغمى عليه من ثقل الهواجس. تمتم:
   ـ لم أتذكَّر أنها معي، يا سيدي.
   "ماذا يتذكر أكراد مثلكم؟"، سأله الضابط. استرسل: "كم فرداً أنتم في العائلة، أيها الطيَّار؟".
   كانت السخرية جليَّة في كلمة "الطيار" المقتطعَة من سياقٍ غير مفهوم. لم يتوقف عقل أوسي عندها:
   ـ نحن أربعة، يا سيدي. ولدان، وزوجتي، وأنا.
   "أكلُّكم تحبون الأمريكيين؟"، سأله الضابط.
   اختلطت الأمور على فهم أوسي. ردَّ يدفع التهمة عن عائلته:
   ـ لا أحد منا يحب أمريكا، أو الأمريكيين، يا سيدي.
   نفخ الضابط زفير المتأفف من اعتياده على إنكار من يستجوبهم زبانيتُه التُّهَمَ المنسوبة إليهم:
   ـ أما من أحد جريء في هذه المدينة التافهة؟ أما من أحدٍ جَسُور يعترف من فوره؟ كلهم يُنكِرون.
   "سيدي، لا نحب الأمريكيين"، أكَّدَ أوسي بلسانه المتعثر قليلاً في جمع الحروف.
   "اسمعْ ما كتبه ابنُك على اللوح في المدرسة: عاش شاولي شاولن"، قرأ الضابطُ الجملةَ من قصاصة الورقة الصغيرة. 
   "لم أفهم، يا سيدي"، عقَّب أوسي.
   أمال موسى رأسَه صوبَ أبيه هامساً:
   ـ اسمه شارلي شابلن.
   "إنني أسمعك، يا ضراط الدجاجة"، قال الضابط. سأله: "من هو شارلي هذا؟".
   "ممثل أمريكي"، رد موسى للمرة التي لم يعرف عددها.
   "أتسمع أيها الموظف في مؤسسة الدولة، التي تحيا بنعمتها عليك، ماذا يحفظ ابنُك من أسرار الغرام في قلبه؟"، سأله الضابط.
   "غرام بمن، يا سيدي؟"، تساءل أوسي.
   "بالممثل الأمريكي، قائد الأمة العربية الواحدة"، رد الضابط.
   التفت أوسي إلى ابنه بنظرة مهشَّمة، وبملامح تذوب استياءً:
   ـ اللعنة عليك، وعلى الممثلين. شعرتُ دائماً أنك وأخاك ستدمرانني بحبكما للسينما.
   "ليس بعد"، عقب الضابط على الخذلان المُرِّ في صوت أوسي. رقَّق نبرَ صوته كأنه يمهِّد للضربة القاسية: "من علَّم ابنيك حبَّ السينما الأمريكية؟".
   "لم أشاهد أفلاماً أمريكية، ولا عربية، يا سيدي"، دافع أوسي عن نفسه. أردف: "كانت دُور السينما، هنا، تعرض أفلاماً أمريكية طوال الوقت، يشاهدها الناس كلهم".
   "لا يحتاج حبُّ الأمريكيين إلى مشاهدة أفلامهم. التنكُّر لنعمة الدولة يوصل أمثال عائلتك إلى حبهم للأمريكيين، أيها الموظف الراقي".
 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. كاتب عظيم وصاحب مدرسه جديده في الكتابه وكتاباته اشبه بالمعلقات
عدنان احسان- امريكا - GMT الجمعة 14 يونيو 2019 16:09
ياسيدي لغتك الجميله المميزه - كانك تكتب معلقات - ومدرسه جديده في الادب لا يجيدها غيرك استمتعنا بها -في مراهقتنا - السياسه - وكانت تاخذنا بعيدا - واثرت في ثقاقتا ..وفكرنا - وحتي طريقه تفكيرنا وحديثنا ، واخلاقنا وقيمنا الاخلاقيه - ورغم مرور ما يقارب نصف قرن علي اول نص قراته لك - لم اجد امتع من اللغه - التي تكتب بها - والاشبه بالنصوص المقدسه .. ولم يجيدها حتي فطاحله الكتاب في العصر الحديث ..ولا تنسى يا استاذي - انت عظيم واديب بالعربيــــــــه - واذا اردت ان تكتب بالعبريــــــه ...والكرديــــــه ،،، ساترك لك الجواب ..(...) فالعربيه هي سر موهبتك ..وعظمتك -


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات