لندن: تتداعى في انحاء بيروت أبنية تراثية جميلة لكن السوء يكمن في انها تُهدَّم وترتفع مكانها ناطحات سحاب حديثة. ويُقدر أن العاصمة اللبنانية من أكثر مدن العالم ازدحاماً بالسكان، ورغم أن لبنان لم يشهد تعداداً سكانياً منذ عام 1932 فان الأمم المتحدة تخمن عدد سكان بيروت بنحو 470 الف نسمة، بما في ذلك الضواحي. وفي مدينة مساحتها 85 كلم مربع فقط يصبح المكان ضيقاً.

وتسبب هذا الازدحام بخليط معماري شديد الغرابة. إذ ترتفع أبراج متلألئة في باحات بيوت أثرية من زمن الامبراطورية العثمانية والانتداب الفرنسي على لبنان الذي استمر من 1923 حتى منتصف الأربعينات.

ويقول المعماري نعمة علامة إن هناك عقوداً من التاريخ المعماري في بيروت وفي اوائل القرن العشرين كانت المدينة تُسمى باريس الشرق الأوسط.

ولا توجد ارقام دقيقة عن عدد الأبنية التراثية التي ما زالت في بيروت ولكن دراسة أُجريت عام 1997 وضعت عددها في حدود 572 مبنى رغم ان الدراسة ظلت ناقصة. 

وقالت المعمارية والناشطة اللبنانية المعروفة للدفاع عن تراث بيروت منى الحلاق لشبكة "سي ان ان" انها تعتقد أن 150 على الأقل من هذه الأبنية فُقدت منذ إجراء الدراسة.

وفي مارس الماضي مثلا بدأ تهديم مبنى غراند براسيري دو ليفات الذي بُني في الثلاثينات ويضم واحداً من أقدم معامل البيرة في الشرق الأوسط، لإنشاء قرية مار ميخائيل، وهي مجمع من الشقق الفاخرة، على أرضه. وبعد شهر تُركت فجوة فارغة في شارع غورو الجميزة بعد تهديم مبنى أثري من طراز آرت ديكو كان شامخا هناك. 

كانت مدينة بيروت تسمى باريس الشرق الاوسط

 

مجزرة بحق الأبنية التاريخية

وتقول جوانا حمور من جمعية "انقذوا تراث بيروت" ان "مجزرة" ارتُكبت بحق الأبنية التاريخية في بيروت بالمقارنة حتى مع الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية مباشرة.

من أشهر الأبنية التراثية في بيروت "بناية بركات" المعروفة ايضا باسم "البيت الأصفر" من تصميم المعماري اللبناني البارز يوسف افتيموس الذي بناه عام 1924 بطراز احيائي عثماني. وبسبب وقوع المبنى على خطوط التماس في الحرب الأهلية فإن اضراراً كبيرة لحقت به خلال النزاع وتركته مخرَّماً بآثار الرصاص.

في عام 2012 بدأ تجديد المبنى بكلفة 18 مليون دولار في مشروع مشترك بين بيروت وباريس. وأُعيدت تسمية المبنى ليكون "بيت بيروت" مع تحويله الى متحف ومركز ثقافي.

وأُبقيت آثار الرصاص على واجهة المبنى في اشارة الى تاريخه المضطرب. ولكن "بيت بيروت" لم يكن بعيداً عن الجدل. فنظراً لعدم تشكيل هيئته الادارية حتى الآن لم يُفتح للجمهور ولا يمكن دخوله إلا لحفلات الاستقبال والزيارات الخاصة. ويأمل المسؤولون بافتتاح "بيت بيروت" للجمهور في سبتمبر 2017.

غرفة داخل بيت بيروت

صون الأبنية التراثية

وقال الأمين العام لجمعية حماية التراث اللبناني جوزيف حداد ان الأبنية التراثية تُصان في الغالب عندما يقرر اصحابها الحفاظ عليها وترميمها بدلا من تهديمها واقامة عمارات عالية من اجل الربح الشخصي السريع على المدى القريب.

وتلقت حركة الحفاظ على التراث ضربة قاسية في مارس الماضي عندما قرر وزير الثقافة اللبناني الجديد غطاس خوري شطب "البيت الأحمر" الذي يعود تاريخه الى القرن الثامن عشر في منطقة الحمرا من "لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية" المحمية وبذلك إباحة هدمه.

وقالت المهندسة منى الحلاق "ان هذه اول مرة يزيل فيها وزير ثقافة مبنى من قائمة حماية التراث". واضافت جوانا حمور انه واحد من مبنيين فقط باقيين في منطقة الحمرا بسطح احمر وتذكرت ان مغني الجاز الاميركي الراحل لويس ارمسترونغ أقام أُمسية هناك منوهة بأهمية المبنى اجتماعياً وتاريخياً.

وتعمل جميعة "انقذوا تراث بيروت" مع منظمة غير حكومية محلية اخرى للطعن قانونياً بقرار وزير الثقافة.

جنب بيت بيروت

نشاط الجهات الأهلية

في هذه البيئة اصبح نشاط الجهات الأهلية التي تبحث عن ابنية تاريخية يتسم بأهمية متزايدة. وعلى سبيل المثال ان العمل على ترميم "قصر طرزي" تقوده شركة معمارية مؤسستها المهندسة أنابيل كريم كسار التي تعيش في القسم الذي انتهى تجديده من المبنى.

وعلى الجانب الآخر من المدينة اشترت زينة وسامي اللذان طلبا عدم نشر اسميهما الكاملين مبنى يعود تاريخ انشائه الى الأربعينات في منطقة القُبيات شرق بيروت واحدثت القنابل التي سقطت عليه حفراً في سطحه. وافتتحت زينة مؤخرا ثلاث غرف أُعيد ترميمها باناقة لتكون دار ضيافة اسمها زنزون.

وتقوم جهات أهلية اخرى بترميم أبنية من أجل تلبية جزء على الأقل من الحاجة الملحة الى فضاء عام في بيروت ولا سيما ان العاصمة اللبنانية اصبحت منذ عام 2011 مأوى 280 الف لاجئ سوري. 

وشهدت السنوات الأخيرة تصاعد الزخم الذي يدفع حركة الحفاظ على التراث في بيروت ولكن ناشطين في الحركة يقولون ان المطلوب عمل أكثر. وتتطلع المعمارية والناشطة المعروفة منى الحلاق الى تشريع قانون يحمي الأبنية في مناطق معينة تكثر فيها المواقع التاريخية. كما تدعو الى تقديم حوافز ضريبية لأصحاب الأبنية التراثية الذين يرممونها ويحافظون عليها وتشكيل مجلس لتوزيع التبرعات التي تُجمع من مانحين لبنانيين في المهجر لانقاذ عمارة بلدهم التراثية.

وتأمل جوانا حمور من جمعية انقذوا تراث بيروت بإعادة فتح "البيت الأحمر" فضاء عاماً نادراً في منطقة الحمرا المزدحمة. وقالت حمور لشبكة "سي ان ان" ان الجمعية تريد ان تجد مستثمرين للمبنى وقد يكون ذلك البلدية. واضافت ان بالامكان استخدام "البيت الأحمر" ليكون مكتبة عامة مثلا بسبب غياب الفضاء العام في منطقة الحمرا. واكدت انه المبنى "الأمثل" لهذا الغرض.

شارع ذو طابع تراثي

 

أعدت «إيلاف» هذا التقرير بتصرف عن «سي ان ان». الأصل منشور على الرابط التالي

http://edition.cnn.com/2017/07/03/architecture/saving-beiruts-crumbling-heritage-ime/index.html