: آخر تحديث

القرن الأفريقي.. وتعويض الفرص الضائعة

 عادل الحربي

تصدت المملكة خلال اليومين الماضيين لمهمة تاريخية.. عدد من دول القرن الإفريقي الموبوء بالإلغام والحدود الشائكة تلتئم أخيراً في جدة تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين، بحضور أممي تمثل في الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الذي لا شك أن لحضوره دلالات وأبعاداً عميقة تعمدتها المملكة بقصد إشراك المجتمع الدولي في هذا الحدث التاريخي.

المملكة تدرك تماماً أن أفرقاء الأمس قد لا يتفقون في ذلك القرن الذي يحاصره ثالوث الفقر والمرض والجهل؛ لكن المؤكد أن الدبلوماسية السعودية بذلت أقصى جهدها وتعمدت الحضور الأممي لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ولتضعهم أمام فرصة تاريخية خاصة بشعوبهم لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين إثيوبيا مروراً بالصومال وجيبوتي وإريتيريا حتى مصر شمالاً.

وبالطبع فإنه في خضم هذه المصافحات التاريخية فإننا لا يمكن أن نتجاهل أن الرابح الأكبر من ذلك هو الأمن القومي الخليجي، في مواجهة الفوضى ونشر الإرهاب والتطرف ودعم الجماعات المارقة؛ إذ إن ردم المستنقعات المحيطة بالخليج العربي حتماً سيطرد الطفيليات التابعة لإيران وقطر وبقية أنظمة الشر، وتأمين لباب المندب وخليج عدن وعموم بحر العرب.

في بداية جهود المصالحة بين أثيوبيا وإريتريا قال رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد «المنطقة تسعى إلى تعويض الفرص الضائعة»، وكم كان الوصف دقيقاً ونحن نشهد اليوم تسارع الخطى نحو المزيد من المصافحات، لاقتناص الفرص التاريخية للسياسيين في ذلك القرن ليضعوا السلاح جانباً ويأذنوا بفرجة أمل لطالما كانت حلماً لعشرات الملايين من سكان تلك المنطقة على مدى عقود.

وهنا أيضاً لا يمكن أن نتجاهل أن هذه الرعاية الملكية لمصالحات بهذا الحجم هي كما قال الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله بعد لقائه في جدة الرئيس الإريتيري أسياس أفورقي لينهي عشرة أعوام من القطيعة؛ «إن المملكة برعايتها لهذه المصالحات تثبت أنها من ركائز الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم»، ولنا أن نتأمل شجاعة التصدي لمثل هذه الملفات الشائكة في مثل الظرف الدولي الذي نعيشه اليوم، لنؤمن بالمكانة الخاصة للمملكة وبالإمكانات التي لا تحتمل المنافسة إقليمياً ودولياً، إذ لا نجد اليوم من يدير هذا الحجم من الملفات في كل الاتجاهات وكأنها جزء من عمله اليومي بالمجهود الأدنى دون تشنجات أو حالات استنفار أو تربح إعلامي.

نخوض اليوم حربنا الخاصة؛ تلك التي ليست ضد دولة صغيرة أو أخرى مارقة ولا ضد تنظيمات إرهابية ومرتزقة؛ بل ضد الفراغ الذي يولد الأفكار المراهقة ويجعل الصغار يتمردون، ضد أنصاف الحلول التي تولد أنصاف مشكلات.. حربنا اليوم ضد الوقت الضائع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد