: آخر تحديث

هل نلغي الماضي لنحقق المستقبل

 أبو بكر العيادي

المبالغة في تقديس الماضي، كما يبين بول ريكور في كتابه "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، تجعل ذلك الماضي عقيما.

 واجب الذاكرة لتجنب تكرار مآسي التاريخ الجماعية

من المفكرين من يرى أن خير طريقة لدخول المستقبل هي نسيان الماضي، لأنه ولّى وانقضى ولا يمكن تغييره، بل بات ملكا للذاكرة، بينما المستقبل غني بالاحتمالات واعد بالجديد، ومن ثَمّ فهو ملك للخيال الذي يستبقه، والفعل الذي يبنيه، ما يعني ضمنيّا أن قيام المستقبل يفترض نكران الماضي. ومن ثَم نجد فيلسوفا مثل نيتشه يدين خصوم النسيان ويرى في كتابه “جينيالوجيا الأخلاق” أن ما من سعادة أو صفاء أو أمل أو فخر أو تمتع باللحظة الراهنة يمكن أن توجد دون ملَكة النسيان. فالذي لا يعيش إلا حبيس ذكرياته، يعزل نفسه، وينقطع عن العالم، ولا يملك أسباب تغييره.

بيد أن آخرين، مثل ماركس وفرويد، يعتقدون أن الذاكرة ضرورية لمعرفة النفس وتحديد الاختيارات، ولا يمكن بالتالي أن نلغي كل شيء ونبدأ من الصفر، فنكون كمن أصيب بداء الزهايمر، لأن التذكر في نظرهم ضرورة سيكولوجية، ومن يدير الظهر للماضي سوف يضطر إلى تكراره بلا انقطاع، فيجهل ما يحدد هويته، ويصبح غير قادر أن يمنح نفسه مستقبلا من دونه. فالتحليل النفسي مثلا حين يحرر المريض من اضطراباته النفسية لكي يبني مستقبله، فلأنه يكشف له عن مكبوتاته، أي ما اختزنته ذاكرته، لأن ما ينسى في نظر رائد التحليل النفسي هو في الواقع مخزون في الذاكرة، ولتجنب عودة مؤلمة للماضي، من الضروري استثماره وإعادة بنائه لكي لا يعطل برامجنا.

ولكن هل يعني ذلك أن نعود دائما إلى الذاكرة لبناء المستقبل؟ ألا تسيء استعادة الماضي إلى قدرتنا على الفعل، على غرار فونيس بطل إحدى قصص بورخس، الذي ظل أسير ذكرياته، فأصيب بملنخوليا عصية على العلاج لأن قوة ذاكرته باتت تعوقه عن الفعل؟

لئن ظهرت دعوات كثيرة إلى واجب الذاكرة لتجنب تكرار مآسي التاريخ الجماعية، كالحروب والتصفية العرقية، فإن المجتمعات المعاصرة تبالغ في استذكار الأعلام والأحداث للتغطية على مشاكل الحاضر، والعجز عن بناء مستقبل واعد. ذلك أن المبالغة في تقديس الماضي، كما يبين بول ريكور في كتابه “الذاكرة والتاريخ والنسيان”، تجعل ذلك الماضي عقيما. ومن ثَمّ ينصح بالمطالبة بـ”بحق النسيان” لكي نصرف جهودنا نحو المستقبل، فالنسيان في نظره حق ينبغي استعماله بذكاء، حتى نبلغ ما أسماه “الذاكرة السعيدة”، أي تلك التي تنتقي ما يجدر بالبقاء وتطمس ما عداه.

والخلاصة أن من يريد بناء المستقبل، عليه أن يلقي نظرة حرة على الماضي، نظرة خالية من الحنين أو التعظيم، كشرط لكتابة تاريخه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد