: آخر تحديث

 «العالمية الأولى».. وأخطاء أميركا

 مايكل بيكلوس

 في الحادي عشر من نوفمبر، حلّت الذكرى المئة لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وقد احتفيت ببطولة محاربينا الأميركيين في أوروبا، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن 116 ألفاً منهم قضوا في تلك الحرب، لكن قائدهم الأعلى لم يكن على قدر مستوى خدمتهم. فأثناء ذلك الصراع، اقترف «ويلسون» كقائد سياسي، أخطاء فادحة لا ينبغي أن تُنسى. 


غير أن تصرفات ويلسون الخطيرة في وقت الحرب لا تكاد تكون عيوبه الوحيدة، ففي ضوء تصريحاته المتعالية كأستاذ جامعي بشأن ارتقاء البشرية، دافع ويلسون بصورة خاصة عن تفوق العرق الأبيض. لم يكن رجل عصره، وإنما كان شخصاً رجعياً. وسلفاه «ثيودور روزفيلت»، و«ويليام هوارد» كانا أكثر دماثة منه على الأميركيين من أصول أفريقية وحقوقهم. 


في عام 1916، قاد الرئيس ويلسون (الديمقراطي) حملته لإعادة انتخابه، بمزاعم خاطئة تحت شعار «لقد أبعدنا عن الحرب». ورغم ذلك، كان يعلم أنه سيقود البلاد على الأرجح إلى الصراع الأوروبي بمجرد بدء فترة رئاسته الثانية. 
وكأكاديمي، كان ويلسون قد أكد ضرورة أن يشرح الرؤساء الانتكاسات العسكرية والأحداث الأخرى المعقدة للأميركيين، لكنه قضى معظم عام 1917، العام الأول من مشاركة أميركا في الحرب، في عزلة ملكية، وقلّما استخدم مواهبه الخطابية الفصيحة لكي يُفسر لأبناء وطنه ضرورة تقديمهم تضحيات شديدة من أجل صراع لم يكن يشكل تهديداً مباشراً وواضحاً للأمن القومي الأميركي. 


وأقنع ويلسون الذي كان يتفاخر بأنه تحرري مدني، الكونجرس بتمرير قانون التجسس، ليمنحه سلطة استثنائية من أجل استعادة الأميركيين الذين عارضوه واحتجوا على تصرفاته أثناء الحرب. وأدانت وزارة العدل في إدارته أكثر من ألف شخص بسبب تصريحات تنطوي على «خيانة وبذاءة وانتهاكات وسباب» ضد الحكومة أو الجيش أو العلَم. ويعتبر ويلسون نموذجاً لكيفية استغلال الرؤساء للحروب من أجل زيادة القوة الاستبدادية وتقييد الحريات، بينما يزعم البعض أن انتقاد القائد الأعلى للقوات الأميركية هو انتقاد للجنود في الميدان. 
وفي انتخابات التجديد النصفي عام 1918، مع دخول الحرب العالمية ذروتها، استغل «ويلسون» الصراع العسكري لأغراض سياسية محلية، فحضّ الناخبين على تأييد حزبه «من أجل الأمة نفسها»، مدعياً أن الجمهوريين كانوا يحاولون «إخراج مسار الحرب عن السيطرة الأميركية»، غير أن تلك المناورة أدت إلى نتائج عكسية، فاتهمه «روزفيلت» و«تافت» بطلب «سلطة مطلقة على تسوية السلام التي ستؤثر على الشعب لأكثر من قرن». وبسبب استياء الناخبين من غطرسة ويلسون، حوّلوا السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب إلى الجمهوريين. 
ورغم إعجابي بإصرار ويلسون على إنهاء الحرب بالتعاون مع «عصبة الأمم» من أجل ضمان عدم تكرار ذلك الصراع مجدداً، فإن خطته لتحقيق ذلك انطوت على تصرف سياسي أهوج. فقد أدرك أن الأغلبية الجمهورية في الكونجرس وكثير من الأميركيين سينزعجون من إمكانية أنه إذا ما صادق مجلس الشيوخ على دخول الولايات المتحدة عصبة الأمم، فإن منظمة السلام الجديدة قد يكون لها الحق في دعوة القوات الأميركية لخوض المعارك. وكان ينبغي أن يجعل مهمته الأساسية هي تبديد تلك المخاوف، لكنه سافر بدلاً من ذلك على مدار أشهر إلى مؤتمر باريس للسلام، معتقداً أنه لا يوجد أي دبلوماسي مهني يمكن أن يناهز مهاراته التفاوضية. ومن ثم، ترك النقاش المحلي بشأن عصبة الأمم لخصومه الأعلى صوتاً، مثل «هنري كابوت لودج» رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. وعند عودة ويلسون في صيف 1919، كان قد حدث الضرر المدمر لانضمام أميركا إلى «عصبة الأمم». 
وإخفاق ويلسون في إقناع الأميركيين بقبول عصبته كان له تداعيات خطيرة، إذ أفضى إلى فشل «عصبة الأمم» في إبعاد العالم عن الانزلاق في حرب أشد كارثية، وبعد عقود وسّع أدولف هتلر نفوذه الوحشي في أوروبا، وانزلقت اليابان في ظل نظام إمبريالي عسكري.



مؤرخ رئاسي ومؤلف كتاب «رؤساء الحرب» 
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد