: آخر تحديث

جريمة بلا حدود

 شرف الدين ماجدولين

شيّدت "مؤمنون بلا حدود" مصداقيتها عبر سنوات من الإنجاز البحثي، باجتهاد معرفي لمئات من الباحثين، ممن كان انتماؤهم لمداراتها في الاشتغال على العقائد وتاريخها وعلى الفكر الإسلامي وامتداداته.

   

يونس قنديل أصاب الخطاب النقدي العقلاني في مقتل

لم تكن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” تحتاج لمأساة إنسانية للتعاطف مع قضاياها، هي التي سعت إلى أن تكشف مخاتلة منطق المظلومية في التاريخ الإسلامي، كانت أقلامها ومنشوراتها ضحية بالفعل، حين هوجمت وشوهت أسئلتها، وكانت مضطهدة ومقموعة حين منع مؤتمرها؛ وكان الاحتجاج على المنع جهيرا قويا وبعنفوان هادر، لأنه ضد الشطط والتسلط وكتم الأصوات.

 لم تكن في حاجة لجريمة ولا لدماء ولا لاختفاء لتثبت للرأي العام أن الفكر الحر والخطاب العقلاني مصادران في عالم اليوم، ولم تكن تنقص العالم شواهد جديدة للتأكد من دموية التطرف الديني… ما كانت تحتاجه المؤسسة فعلا هو القدرة على تحصين المسار من الانجرار لسلاح الغرماء الذي عنوانه العريض “تزييف الحقيقة”.

شيّدت “مؤمنون بلا حدود” مصداقيتها عبر سنوات من الإنجاز البحثي، باجتهاد معرفي لمئات من الباحثين، ممن كان انتماؤهم لمداراتها في الاشتغال على العقائد وتاريخها وعلى الفكر الإسلامي وامتداداته، يتطلع إلى إشاعة نمط جديد من الممارسة النقدية في الثقافة العربية الإسلامية، كان محصورا لزمن طويل في مدارات العمل الفردي. لقد عملت على تكريس ملمح رئيس للحداثة الفكرية متمثلا في العمل الجماعي، للنهوض بمشروع ينظر إلى المستقبل، في مقابل مشاريع ارتهنت للماضي، استهدفت التراسل مع خطاب النهضة، في مقابل شطحات الصحوة التلفيقية، وكان عنوان كل هذا الطموح هو الإيمان بالاختلاف والتعدد، بدل الولاء للصوت الواحد العاتي. وتبجيل القيم بدل الأقنعة الدينية.

لهذا بدا سلوك الأمين العام للمؤسسة في ادعاء المظلومية زائغا بنحو كارثي، ليس بالنظر إلى ما أفضى إليه من فضيحة شخصية مزرية بصاحبها، وإنما باعتباره عكس النقيض في كل شيء لرصيد المؤسسة، حيث تصرف على شاكلة أي زعيم تقليدي لا يرتهن إلا للأهواء، وحيث سلاح الحرب يبيح استعمال أقذر الدسائس، بحيث انتهى الأمر إلى تخايل كل الخطابات والتحليلات المأخوذة بأنوار العقل، للمراقب المحايد، بما هي بؤرة خداع لا يمكن الوثوق بها. وهي محصلة لا يمكن تصور حجم خطورتها إلا بتخيل صيغ استثمارها، على امتداد سنوات قادمة، من قبل من اتهموا المؤسسة ذات يوم بوصفها “ملحدون بلا حدود”.

وحين نقول اليوم إن سلوك السيد يونس قنديل أصاب الخطاب النقدي العقلاني في مقتل فلأنه ساوى بينه وبين نقيضه الخطابي في الارتهان للكذب، تلك المثلبة التي تنسف كل شيء، تمثل اليوم بشكل أكثر وضوحا تلك الواقعة التي شغلت العالم فترة رئاسة بيل كلينتون للولايات المتحدة حيث خضع للاستجواب أمام الكونغرس لساعات طويلة وكان جوهر التحقيق ليس الوصول إلى إثبات علاقته مع المتدربة مونيكا لوينسكي، ولكن كان القصد هو الوصول إلى حقيقة ما إذا كان الرئيس قد كذب على نواب الشعب.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد