: آخر تحديث

هل خُلق السعودي ليكون موظفاً لا غير؟!

هاني الظاهري

أحزن كثيراً عندما استمع لتصريحات إخواننا في وزارة العمل وأرى آثار قراراتهم القادمة من العصور الوسطى على المواطن البسيط الحالم بتحقيق دخل لنفسه ولأسرته، فعباقرة الوزارة لديهم ما أظن أنه مرض نفسي مزمن يمكن تسميته بـ«متلازمة الوظيفة»، إذ يعتقدون أن الله خلق المواطن السعودي ليصبح موظفا يعيش على فتات الوظائف الدنيا التي لا تشبع بطنا ولا تستر عورة، أما تمكينه ليصبح «رجل أعمال» فهو في ذهنيتهم أمر ثانوي وقد يعده بعضهم ترفاً وأحيانا «جريمة».

قبل أشهر طرحت في مقالة عما أسميه «جنون السعودة» الأسئلة التالية: هل يحتاج السعودي الفقير إلى وظيفة أم «مصدر دخل»؟ وهل الوظيفة هي الحل الوحيد لتحسين حياة المواطن أم مجرد وسيلة مثلها مثل غيرها لتوفير الدخل؟ ولماذا أصبحت الوظيفة هدفاً لكل خططنا بدلا من كونها مجرد وسيلة دنيا لتوفير المال، وهناك وسائل أفضل منها للمواطن والاقتصاد الوطني؟!، وأشرت حينها إلى أن هذه الأسئلة هي ما ينبغي أن نفكر فيه بعد مرور أكثر من ربع قرن على خطط السعودة التي أثبتت فشلها وتحولت إلى مشكلة بحد ذاتها، فالعقلية البيروقراطية الكسولة التي وضعت الإستراتيجيات القديمة، بدلاً من أن تعمل على إيجاد وسائل تحول المواطنين إلى «تجار وأصحاب عمل» ذهبت إلى تعديل الثقافة الاجتماعية وإقناع السعوديين بالتحول إلى سباكين وعمال بناء وحراس أمن، لأنها لا تستطيع أن ترى شيئا غير حلها السحري البائس «الوظيفة».

في دول خليجية تنعم باقتصاد قوي وأسواق حيوية جاذبة لرؤوس الأموال تقتصر مسألة «توطين الوظائف» على «وظائف الدولة»، بينما يجد المواطن الفرص السهلة لأن يكون رجل أعمال اعتمادا على امتيازات تمنحها له «مواطنته»، منها على سبيل المثال ما نسميه اليوم في السعودية «مشكلة التستر التجاري»، إذ هي في الواقع حل اقتصادي مريح وقليل الكلفة على الدولة لتوفير دخل للمواطن تحت مسمى «الشراكة»، وهذا بالطبع لأن العقليات التي تدير أسوق العمل في تلك الدول ليست عقليات تجريمية مهووسة بشيء اسمه «التوظيف» وإنما هدفها الأول تمكين المواطن من إيجاد دخل يجعل حياته أفضل وأكثر رفاهية.

لو سألت أي شخص اليوم عن الأسباب التي تجعلنا نحارب «التستر التجاري» بدلاً من وضع قوانين له ليصبح مشروعاً ومصدر دخل لمئات الآلاف من المواطنين بمسمى «الشراكة»، سيقول لأن الأموال تخرج خارج البلاد جراء هذه الظاهرة، ولو سألته لماذا يرسل الأجنبي أمواله لبلاده ولا يصرفها هنا، فلن يجد جوابا، مع أن الجواب واضح وبسيط وهو عدم شعور الأجنبي بالاستقرار في بلادنا نتيجة الإجراءات الطاردة والمعقدة، وهذا ما يجب أن نعالجه لحل مشكلة خروج الأموال وليس ضرب الأسواق والتعلق بقشة «السعودة» التي قصمت ظهر اقتصادنا.

إن التدخل الفج لوزارة العمل في السوق وبهذه العقلية المأزومة لم يحل مشكلة ضعف دخل المواطن المحتاج، وتسبب في إرباك أصحاب العمل وحول الأسواق السعودية من أسواق حيوية جاذبة لرؤوس الأموال إلى بيئة طاردة للاستثمار، وقد حان الوقت للتوقف عن هذا «التخبيص» وترك الأسواق تدير نفسها، والعمل على تمكين المواطن لأن يكون عضوا فيها وبنفس قوانينها بمرتبة «رجل أعمال»، حينها فقط يمكننا القول إننا نعالج مشكلة البطالة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.