: آخر تحديث

ديمقراطية الدكتاتورية الحديثة

 يقول علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول علم نفس الطفل إنه يرى نفسه مركزا للعالم الذي يشعر بدورانه حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجيا إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولا إلى من يتولى  إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيسا عظيما وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري!.

    للبيئة أعلاه بيئة أخرى معاكسة لها في كل التفاصيل وتكمن في تربية هذا الطفل وتعديل تلك المشاعر وتقليمها وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.       

 

    لقد ابتليت منطقتنا بأنماط من هذه السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة ودكتاتورية الأب أو ولي الأمر، وانتهاء بالقائد الضرورة، مرورا بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس عليهما نرجسيته وتفرده، فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت تتمركز في كثير من مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافا إليها إكسسوارات قروية وقبلية  كرست تفرد الشيخ والأغا، الذي تطور كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، فإنها اليوم تتجلى في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية في زمن الربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعا، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع.

 

    إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبدا مطيعا أو ملحا مذابا في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولان دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمنا ليس قصيرا، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولان الكثير الكثير يؤمن بان مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جدا بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه، عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم، أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

 

[email protected] 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 16
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. مجرد سؤال ... اياهما اكثر
Rizgar - GMT الأحد 10 يونيو 2018 08:10
مجرد سؤال ... اياهما اكثر همجية , الكيان العراقي ام داعش ؟ جرائم الكيان ابشع من جرائم داعش . نظرة محايدة الى جرائم الكيان العراقي وجرائم داعش ...سوف نجد ان جرائم داعش مجرد تسلية بريئة مقارنة مع جرائم الكيان العراقي .. من وضع الحصار الاقتصادي على شعب كوردستان , الكيان الخبيث ام داعش ؟ من حرق واغتصب وهتك وفتك بالمواطنين الكورد في خورماتو وكركوك و خانقين وداقوق ؟ الحشد الشيعي ام داعش ؟ المشكلة ان الغرب مع جرائم الكيان العراقي ضد جرائم داعش . لو كان الغرب مع جرائم داعش (كما في افغانستان وليبيا) ضد جرائم الكيان ...لما كان بامكان الشيعة الا ستهتار بكرامة الشعب الكوردي .
2. ديمقراطية الدكتاتورية
mohannad - GMT الأحد 10 يونيو 2018 08:41
النقطة التي جلبت انتباهي والتي ليست خافية على القاصي والداني والتي يعرفها حتى الطفل الرضيع في العراق هو أن كل أزمات البلد بدكتاتوريته وقمعه وطائفيته وتفرقته وتمزق نسيجه الوطني ودماره وظهور عصابات داعش وماعش وغيرها إنما نتاج سياسات خاطئة وغياب القيادات الوطنية ذات الطابع الوطني الصرف بعيدا عن التداخلات الخارجية السلبية والتي أفضت البلد إلى النفق المظلم الذي بدوه أدى إلى الالتفاف على العملية الديمقراطية بدكاتورية جديدة لامثيل لها في عالمنا هذا.
3. الدكتاتورية المجتمعية
محمد سيف المفتي - GMT الأحد 10 يونيو 2018 09:14
هذا المقال يسقط الضوء على زاوية مهمة وحساسة تتعلق بالبيئة والإرث الثقافي. الدكتاتورية هي وليدة الفكر الفئوي في داخل البيئة و العشيرة، وتبدأ من القوانين الغير مكتوبة و التي هي اقسى من الدستور، فلان يحق له الجلوس في المضيف او في الديوان وفلان لا يحق له الخ. نعم داعش والفكر المتطرف هو صنيعة أنظمة لم تتمكن من احتواء الجميع. داعش وهجمته على المنطقة لم تكن نصرا للجاهل والبربري بل فشل الأنظمة الحاكمة و النظام السياسي و الاجتماعي باحتواء الجميع و فشل السياسي و المفكر و المثقف بخلق فكر تنويري يهدف الى مراعاة حقوق الضعيف قبل القوي. شكرا لك أستاذ كفاح على هذا المقال الثمين.
4. نظام العشيرة
سفيان عباس - GMT الأحد 10 يونيو 2018 09:34
نظام العشيرة والقبيلة من اقدم الانظمة السياسية والادارية والاجتماعية وان العصر الذي أعقب شريعة الغاب ضاربا بعمق التاريخ يصعب معه التكهن في الفترة الزمنية , فهو بالتأكيد قبل نشوء نظام الدولة البسيطة هذا النظام كان الاساس في صيرورة المجتمعات ومضى معها دون عوائق تذكر او الحد منه كنظام قائم ملازم لحياة الفرد والجماعة والمجتمع بكل سلبياته وايجابياته وسطوته المطلقة , فلا تستغرب اذا ما اقول انه بات متأقلما في شخصيتنا واذهاننا وبات جزءً من عقيدتنا الانسانية , ان العديد من الدول حاولت التصدي له وخصوصا بعد منتصف القرن العشرين , حين احلت محله مدير الناحية والقائمقام بطريقة مضحكة وكأنه نظام اداري وليس سياسيا واجتماعيا ولم تتمكن تلك الخطوة من الحد منه مما ادى الى فشلها , فالسياسي او العسكري او الاداري يأتون عادة من حضيرة نظام العشيرة ,,, انا اعتقد ان نظام العشيرة يجب ان يتراجع امام القوانين ومحاكمها لأنها اكثر عدلا وشمولية , فالنظام العام للدولة وهو جامع شامل لكل مفاهيم العشيرة والقبيلة من اعراف وتقاليد التي اصبحت احدى مصادر التشريعات القانونية الحديثة ,,, وأن وجود حكم الشيخ مزدوج مع سلطان القانون يشكل حلقة متعارضة تحدث ضررا بالمجتمع ,,, عودتنا دائما على طرح المواضيع النوعية التي تصب في خدمة الاهداف القومية التحررية لشعب كوردستان ,,, بورك قلمك وعاش عقلك باشا
5. اسلوبيات الدكتاتورية
حسن علي - GMT الأحد 10 يونيو 2018 10:01
كل ماورد في المقال هو الشرح المفصل عن كينونة الدكتاتورية والاشكالية التي نمت وتطورت على ارضية هيأت لنفسها بكل ما يملك من قوة فكرية ثقافية طوباوية ،كي تؤثر على القارىء وتكسبه كقوة فاعلة معها ،ثم يبين المؤلف كيفية نمو هذا النمط من الوعي الافتراضي السوداوي بكل المقاييس ،ثم يحلل المقال تلك الرؤية وبيتها المتداخلة فيما بينها .ونحن بدورنا نقول للسيد المؤلف كفاح سنجاري :ان القوى العظمى تضع الفرضيات والنظريات للتخلص من هكذا اشكالية .بينما الاشكالية التي نحن بصددها ك كورد هو العمل الجاد من اجل ايجاد الهوية الحضارية الحديثة للكيان الكوردي وبسطها عمليا ومرئيا عبر وسائل الاعلام كافة .بعيد عن التوهمات التي نحن بصددها بسبب التجاهل والتلاعب بالعناوين والمظاهر .مع تحياتي
6. فصل الدين عن الدولة
باسل الخطيب - GMT الأحد 10 يونيو 2018 13:55
موضوع مهم يرصد العقم الديمقراطي في العراق كما المنطقة نتيجة البيئة الثقافية والاجتماعية وها هم يتحدثون الآن عن حكومة أبوية في اصرار عجيب على النهج ذاته.. لا حل إلا بفصل الدين عن الدولة ومنع الأحزاب الدينية والطائفية.
7. الديمقراطيه والدكتاتورية
شيرين بارافي - GMT الأحد 10 يونيو 2018 14:52
مقاله في غاية الأهمية تعكس لنا واقع حكامنا و انفصامهم عن الواقع الذي نعيشه..سلمت وسلم قلمك استاذي الفاضل باختيارك لهذا الموضوع برأيي يبقى الفرق شاسع بين مسمى الديمقراطيه والدكتاتورية مهما كان هناك من حداثه ...منذ بداية التاريخ تواجدت هذه الكلمات في جميع المجتمعات وفي كل مجتمع تبلورت هذه المفاهيم حسب نشأته وثقافته . فالدكتاتور في مجتمعنا الشرقي يدفع مؤيديه إلى تأليهه لحد العباده ليشعره بعظمته هذه هي طبائع وسمات مجتمعنا في خلق هذا النظام الدكتاتوري الشمولي الذي تغلغل في تفاصيل الحياة العامه في المجتمع موظف قدرات المجتمع كاملة بما يخدم مصالحه ليتطور هذا الدكتاتور ويصبح طاغيه وهي اعلى مراحل الاستبداد وهذا ما نراه في هذه المرحله من واقعنا..فالحاكم الشرقي يشعر بعظمته منذ صغره لانه في معظم الحالات حكامنا توارثوا الحكم وتقوقعوا على امجادهم منفصلين عن الواقع الذي يعيشوه ولا يسمعوا سوى اصواتهم واي إختلاف في الرأي معهم هو مؤامره عليهم وعلى سلطتهم ويجب التخلص من مخالفيه لذلك نجدهم يميلون للساديه والنرجسية وفي لحظة غضب واحده يسقط عنهم قناع العقل فبذلك يصبح من السهل عليهم القتل والعزل وكافة أنواع الاستبداد ولم يعد عندهم حيز بين الصداقه والعداوه .بالواقع كل دكتاتور يعاني من ضغوط واضطرابات نفسيه في انه هو الشخص الأول بالسلطة وتظهر هذه العقد عند شعوره بالسقوط يعود ليكثر من الوعود باستخدامه لمصطلح بالديمقراطيه والاصلاح وهو بعيد عن ذلك المفهوم كل البعد.. كالفرق الشاسع بين الديمقراطيه والدكتاتورية ...
8. عنصرية الدستور العراقي
شاهين الظاهر - GMT الأحد 10 يونيو 2018 17:14
الدستور العراقي هو من شرع مسالة تقسيم العراق على اسس طائفية وقومية ودينية وعرقية . هذه الصياغة تمت في ضروف طارئة واستثنائية معروفة . ساهمت في صياغته الاحزاب المعارضة لسياسة النظام السابق وجاءت اغلب بنود الدستور بمضامين انتقامية واقصائية لفئات كانت محسوبة على النظام السابق في نفس الوقت فان هذه الاحزاب التي عدت نفسها منتصرة منحت نفسها امتيازات اضافية رسخت من خلالها مبدا شوفينية القومية وشوفينية الطائفة وحمتها بقوانين لاحقة مزقت النسيج العراقي وزرعت فتن عدة قادت فيما بعد الى صراعات دامية لم يسلم منها الجميع على العكس مما يحدث في دساتير العالم التي تحرم العنصرية بكل اشكالها وتعاقب على ممارستها باي شكل جاءت درءا للتقسيم والفتن وتعتمد الانتماء للوطن هو مقياس التفاضل الوحيد. تلك هي الاشكالية البنيوية لللنظام السياسي في العراق.
9. أحسنت سيدى الكاتب
فول على طول - GMT الأحد 10 يونيو 2018 18:01
يقول السيد كفاح : إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، ..انتهى الاقتباس . أحسنت سيدى الكاتب وبالحقيقة نطقت وكتبت . داعش والثقافة البدوية والعنصرية والقتل والدماء هى موروث دينى اسلامى بلا أدنى شك . كفاكم تهرويج وهروب من نصوصكم ومن واقعكم بالقول أن داعش صناعة غربية . قال لكم الذى لا ينطق عن الهوى : الأقربون أولى بالمعروف ومن هنا تولدت ثقافة القبيلة والعشيرة وقال أيضا : المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص وانصر أخاك ظالما أو مظلوما ومن هنا تولدت ثقافة القطيع وقال لكم : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) ومن هنا تأصلت كراهيتكم لأهل الكتاب وغيرهم وأمركم بقتلهم ...كفاكم هروب وغباء أو استغباء . ثقافة القبيلة والعشيرة والدعوشة هى تربية النصوص . انتهى .
10. النزعة المزمنة!
علي خصباك - GMT الأحد 10 يونيو 2018 18:21
التركيبة النفسية ذات النزعة (السيكوباتية) التي اشرت لها في تحليك واسبابها ،هي من ضمن التركيبة النفسية المعقدة ، فالمريض السيكوباتي اليابانيى على سبيل المثال يختلف كثيرا عن مريض آخر في بلد آخر، فعادة هؤلاء المرضى يتلقون العلاج وتجرى لهم اختبارات نفسية واحتمال ابعادهم عن اي مركز قيادي بسيط حماية للمجتمع ، فكيف اذا كان هذا الشخص من بيئة تشجعه لأن يكون قائدا لبلد غني كالعراق ! لقد مضى زمن طويل (خمسة عسر عاما) حين أطيح بصدام من ثبل الامريكان ،/ وكان ينظر اليه بدكتاتور العصر الحديث، وولى الى غير رجعة ..مضى لكن عقده واحلامه المريضة بقيت متلبسة بشخصيات مصابة بضعف مما كان عليه الديكتاتور


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.