: آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية: حكمة السلام

قرأت في الصحافة العالمية خبيرين في الأسبوع الماضي، الأول يتحدث عما صرفته الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط والذي يزيد عن سبعة تريليون دولار. وطبعا هذا الرقم لا يشمل ما خسرته شعوب المنطقة من الموارد البشرية والاقتصادية والمالية، وما رافقه من تخلف وفقر وعنف وجهل ومرض. أما الخبر الآخر يتعلق بدولة خليجية صغيرة جاره دفعت مليارات الدولارات لشراء عدة طائرات حربية. وهنا نحتاج لسؤال مهم: هل ربحت الولايات المتحدة بعظمتها وقوتها العسكرية أي من الحروب التي خاضتها في القرن الماضي؟ وما هي وجهة النظر اليابانية في التعامل مع الحروب؟
ناقشنا عزيزي القارئ في المقال السابق مقولة للمستعرب الياباني، نوبواكي نوتوهارا، في كتابه، العرب من وجهة النظر اليابانية، يقول فيها: "كثيرا ما واجهت هذا السؤال في الدول العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ العرب ينتظرون من اليابانيين عداء عميق للولايات المتحدة الأمريكية لأنها دمرت المدن كافة. ولكن طرح المسألة بهذه الطريقة لا يؤدي إلى شيء، فعلينا نحن اليابانيين ان نعي أخطأنا في الحرب العالمية أولا، ثم نصحح هذا الأخطاء، لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة ثانيا، وأخيرا علينا أن نتخلص من الأسباب التي أدت للقمع في اليابان. إذا المشكلة ليست في أن نكره أمريكا، المشكلة أن نعرف دورنا بصورة صحيحة، ثم أن نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا، بعد ذلك نختار الطريق الذي يصحح الانحراف، ويمنع تكراره في المستقبل. أما المشاعر نفسها فهي مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلا. من هذا الموقع نفهم مأساة هوريشيما ونجزاكي.  فنحن اليابانيين نفهم القاء القنبلتين النوويتين مرتبطة بأخطائنا التي ارتكبناها في الحرب العالمية الثانية وقبلها." 
فقد اختارت اليابان الطريق السلمي للتعامل مع التحديات الدولية خلال الستة عقود الماضية، لتفرض احترامها على شعوب العالم أجمع، ولتحقق حداثتها وتطورها التكنولوجي والاقتصادي، ولتصبح ثاني اقتصاد عالمي خلال عقدين من الزمن، بعد دمار الحرب العالمية الثانية. وقد يختلف البعض مع وجهة النظر هذه، بان الحروب لابد منها، والتي يمكن ان تحقق مآربها.  فلنراجع عزيزي القارئ دراسة لوليم بفاف، المحرر بجريدة الهيرالد تربيون الأمريكية، وتحت عنوان، لماذا تفشل خيرة المقاصد؟ يقول فيه: "بحث جيسون ليل أستاذ جامعة برنستون الأمريكية، والكولونيل أيسى ولسون أستاذ بكلية وست بوينت العسكرية الأمريكية،  في مائتين وخمسين حرب غير متجانسة سابقة، واستنتجوا بأن التفوق التكنولوجي والقوة العسكرية لا تكسب الحرب، بل بالعكس الدول التي تملك قوة عسكرية كبيرة، تكون لديها صعوبة لكسب المعركة، أمام مجموعات صغيرة، تدافع عن ثقافتها ودينها ومجتمعها، بالإضافة لحبها للوطن وكرهها للغزو الأجنبي."  ووضحت هذه الدراسة بأن "نسبة انتصار الجيوش الكبيرة في الحروب الغير متجانسة منذ عام 1800 وحتى عام 1850 كانت 85%، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 21% منذ عام 1950 وحتى الآن..." وقد صرح، وفي نفس المقال، الجنرال رونالد كيز الرئيس المسئول عن المعارك العسكرية الجوية الأميركية فقال: "بأن طيارة أف 22 المتطورة معدة للحرب الكلاسيكية ولكن ليس لحرب العصابات التي نواجهها اليوم. وأكد بأنه لم يشتري هذه الطائرة لحرب العراق، بل اشتراها لمجابهة السوفيت والسيطرة على العالم، أو لهزيمة هجوم خارجي من كوكب مارس على أمريكا."
ويستمر الكاتب في تحليله فيقول، "لقد صرفت الولايات المتحدة البلايين للاكتشاف القنابل الأرضية وأبطال مفعولها، فقد استعملت طائرة أف 22 في العراق. وحسب ما كتبت المجلة الأسبوعية للطيران وتكنولوجية الفضاء فقد أصبحت الطائرة المتطورة أف 22 عمياء، لم تستطع اكتشاف أي من هذه القنابل، بسبب التشويش الالكتروني للمراقبات الالكترونية المختلفة من القوات الحربية البرية وعناصر المخابرات." ووضح بفاف السبب لهزيمة الجيوش الكبيرة للمعركة بقوله: "أن الشعوب المحتلة تقاتل أيمانا بحرية أوطانها وضد الغزو الأجنبي. وقد تساعد بعض الجيوش الكبيرة شعبا للتحرر من الغزو الأجنبي، كما فعلت الولايات المتحدة في مساعدة الأفغان في محاربة السوفيت، ولكن لا تستطيع أن تحرر شعبا من أهله، كما حاولت الولايات المتحدة تخليص شعب العراق من الرئيس السابق صدام، وستبقى القوى الأجنبية غازية مهما كانت نيتها فاضلة. ولتكن رابحا في حرب غير متجانسة، يجب أن تحارب مع الفريق المدافع عن وطنه وقوميته بذلك البلد، وطبعا لا يمكن أية قوة غازية أن تكون مع قومية ووطنية ذلك البلد الذي تغزوه." ويذكرني ذلك بمقولة الرئيس الأمريكي جون كندي في عام 1957: "القوى العظمى اليوم ليست الشيوعية أو الرأسمالية ولا الصواريخ الموجهة، بل رغبة الشعوب في الحرية. والعدو الأكبر لحريتها هو الامبريالية. والتحدي الذي ستواجهه السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية هو كيف ستتعامل مع هذا الاختبار."
قد يتخيل البعض بأن الجيش الأجنبي هو المنهزم، ونحن من كسب النصر. فمع الأسف الشديد، الحقيقة التي نضطر لقبولها، بأننا جميعا خاسرين. خسرنا بمعاناة شعوبنا من القتل والدمار، خسرنا التريليونات من الدولارات خلال هذه الحروب المتكررة، خسرنا الوقت للنمو والتطوير، خسرنا أطفالنا بثقافة العنف وتفكير الانتقام، خسرنا مستقبل أبنائنا في التعليم والتطور الاقتصادي، خسرنا الشعوب المتحابة والموحدة الكلمة والبعيدة عن الطائفية والعنصرية. لقد خسرنا الكثير والكثير وسنحتاج لعقود طويلة لنلحق بالأمم المتقدمة. وأرجو أن نكون قد تعلمنا من دروس التاريخ والحكمة اليابانية في السلام، بأن العنف لا يحل مشكلة، والقرارات العاطفية الغير مدروسة لا تجلب إلا الدمار والتخلف، وضياع سنوات طويلة، وكما يقال: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك." نعم نتفق جميعا بأن الشعوب تحتاج للحرية والعدالة، وتحقيق مبادئ حقوق الإنسان، ولنتفق أيضا بأن العنف لن يكون حلا بعد اليوم في عالمنا الجديد، وستكون دور الجيوش في المستقبل للوقاية من الحروب وليس لخوضها. فكما تقول الحكمة الصينية: "القوة العسكرية تكون مثيرة للإعجاب حينما تحقق أهدافها، بدون أن تستعمل." ولنا لقاء. 
طوكيو 30 ديسمبر 2017
الدكتور خليل حسن، كاتب بحريني

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 12
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. طاقة سلبية مدمرة
فول على طول - GMT الجمعة 29 ديسمبر 2017 22:19
نرحب أولا بسيادة السفير الدكتور ونقدم لة خالص التهنئة بمناسبة العام الجديد وبعد : سيدى السفير لا شك أن الكراهية هى أكبر طاقة سلبية تدميرية وأول من تدمرهم هم من يؤمنون بها وتعيش داخلهم ويعتقدون أنها تعاليم الهية ...لا يمكن أن تكون الكراهية تعاليم الهية . أضف الى الكراهية هى الشك بالأخرين وأنهم يتربصون بك ويتامرون عليك ...للأسف هذا بالضبط ما يتعلمة الانسان المسلم ...يتعلم كراهية الأخرين وقتلهم واجب دينى ويتعلم أن الأخرين لن يرضوا عنة ويحيكون لة المؤامرات ...للأسف هذة تعاليم اسلامية مقدسة ولذلك لن يتحرر المجتمع المسلم من الكراهية . ما أجمل ما فعلة اليابانيون ...أنها ثقافة الغفران أنها تعاليم السيد المسيح ...العالم يحتاج الى تعاليم المسيح وهو أن تغفر لمن أساء اليك وتحب أعداءك قبل أصدقاءك ولا تشك فى الأخرين . الحياة تنافس وليس تناحر ...البشر ليسوا أعداءك بل اخوة لك فى الانسانية ..البشر يكملون بعض ولا غنى لانسان عن مجتمع يعيش فية ...تحياتى دائما .
2. ليت الشعوب العربية تتعلم
احلام أكرم - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 04:18
شكرا للكاتب على هذه المقاله. اتمنى ان يكون هو من معتنقي هذه الفلسفة. نحن بحاجةًماسة للترويج لثقافة سلام. مهما كانت خسائرنا السابقة.
3. جيد
خوليو - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 05:22
كما ورد في المقالة على لسان المستعرب نوبواكي نوتوهارا بان النقد الذاتي للأخطاء واستخلاص الدروس الذي اعتمدته اليابان كنهج سلمي لمعرفة ماحدث وتحديد المسؤوليات هو النهج السليم الذي نهضت بلادهم على اساسه ،، ارى ان ما قاله المستعرب هو عين العقل ،،والسؤال هنا للسيد الكاتب ،،هل جرى مثل هذا النقد وخلال ١٤٠٠ عام لدساتير بلادنا لنعرف ان كانت هي المسؤولة عن تخلفنا ام لا ؟ السيد المستعرب يعترف انهم استعمروا بلدان آسيوية ويستخلص درساً ان الحل السلمي هو النهج الاسلم للتقدم،، وكما ورد في المقالة بان الحروب داءماً خاسرة للذين يكسبونها وللذين يخسرونها ،، فهل يعتقد السيد الكاتب بان اصحاب القرار في الدول العربية والإسلامية مستعدون لنقد ذاتي لشريعة تشكل معظم بنود دساتيرهم ليعرفوا ان كانت هي سبب تخلفهم ام لا ؟ ان وافق اصحاب القرار على السماح بذلك النقد وفصل الدين عن السياسة كما فعلت البابان ،، فسيكون لمقالات السيد الكاتب مفعول إيجابي بدءاً من بلده البحرين،، مقالة جيدة،، وكما تتمنى السيدة الكاتبة احلام أكرم بان يكون السيد الكاتب من معتنقي هذا النهج السلمي أتمنى ايضاً ذلك،، ان البدء في إقناع دول الخليج لممارسة النقد الذاتي لأخذ الدروس من الأخطاء ونبذ الحرب بكل اشكالها ومنها الحروب الجهادية،، هي الطريق الصحيح،، لانه أعطى نتاءج إيجابية في بلاد اخرى كا اليابان مثلاً .
4. من اجل السلام
Omar..jordan - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 05:22
سؤال يخص امكانية توليد طاقه من خلال استعمال قوى الطفو عوضا عن استخدام الانهار والسدود وسقوط او جريان الماء .. الفكره هي .. مثلا لو صنعنا حوض ماء بمساحه 3×3 متر وعمق 20 متر .. لاجل استخدامه لتدوير سلسله من الكرات بقطر 1 متر لكل منها .. بحيث تعبر سلسلة الكرات الى الحوض من الخارج عن طريق انوب نصف دائري (بقطر 1متر) احدى فتحتيه متصله باسفل الحوض .. ستصعد سلسلة الكرات بقوة الطفو الى الاعلى اي للسطح وعن طريق دولاب باعلى الحوض لتخرج وتعود من الخارج عبر الانبوب النصف دائري الى اسفله مرة اخرى ... لمنع تسرب الماء نراعي المسافات ما بين الكرات بحيث يكون الانبوب النصف دائري دائما يحتوي على كرات وان تكون ذات سطح مرن (مطاطي) ولخفض الاحتكاك نضع قليل من الدهن
5. للوقايه من الحر
Omar..jordan - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 05:58
حلول بسيطه جدا وفعاله جدا .. بالونات صغيره (او شبكة بلورات) تحتوي على غاز خفيف الكثافه داخل غلاف من ورق القصدير المقوى .. يمكن تشكيل شبكة سحب اصطناعيه من هذه البالونات الصغيره الحجم والمتوسطه . هذا هو سلاح الفقراء الذي يستطيع ان يقهر عظمة اقوى سلاح جو واقوى انظمة اسلحه صاروخيه .. سحب من بالونات خيوط و ورق القصدير مفيده جدا ايضا لتلطيف الاجواء الصحراويه وحجب بعض من اشعة الشمس الحارقه .. يمكن الاستفاده من هذه السحب للتظليل نهارا و تكثيف رطوبة الهواء ليلا للري والشر
6. الدين مخترق ومحرف
Omar..jordan - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 07:02
ما هو الفرق بين الزنا والاغتصاب؟؟ الزنا يكون بالتراضي أم الاغتصاب فيكون بالاكراه .. لكن ما هو الزنا؟؟ وما هي عقوبته؟؟ وما هي عقوبة الاغتصاب؟ ***** اولا.. النص في الايه 3 من سورة النور (الزاني لا ينكح الا زانيه او مشركه .....) .. هو نص تشريعي واضح لا غموض فيه .. فلا مجال لفقهاء السلطه وفقهاء كتب الخزر للعنعنه فيه .. فالنكاح بالمصحف يعني العقد والزواج .. ***** الان .. الانسان لا يمكن ان يسمى او يوصف ب (زاني) او (زانيه) الا بعد ثبات فعل الزنا عليه او عليها ..و بعد ثبات فعل (الزنا) يتم تنفيذ العقوبه .. اليس كذالك؟؟.. ***** فلو كان مصطلح الزانية والزاني (في الايه 2 التي سبقت) يخص الايامى اي يخص الغير متزوجين .. و عقوبتهم وفق الايه هي عذاب المائة
7. أتأمرون الناس بالبر
وتنسون أنفسكم - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 07:37
قل لنفسك أيها الفوال.
8. تنزيل الحكمة
على الواقع! - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 09:41
ليت لنا "جيران" مثل ما لليابان.
9. أمنيات العزيز خوليو
فول على طول - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 11:53
العزيز خوليو يطالب أتباع خير أمة بالنقد الذاتى واستخلاص العبر بعد 14 قرنا من الزمان ..وبالتأكيد فان الرائع خوليو يعرف أن خير أمة اخرجت للناس تعنى أنة ليس لديهم شئ سلبى والدليل أنهم خير أمة وأن كتابهم الوحيد لم يحرف وكل نصوصة غير قابلة للتفكير أو السؤال عنها حتى لا تبدو تسوءكم .. وبعد 14 قرنا عزيزى خوليو توصلوا الى قانون اسمة " قانون مقاومة الالحاد ...وقانون أخر اسمة " قانون ازدراء الرموز من الشخصيات الدينية والوطنية ...بالاضافة الى قانون ازدراء الأديان - الدين الأعلى فقط للعلم - يعنى من الأخر : عليك أن تؤمن بالدين الأعلى غصبا عنك منعا للالحاد ولا تنتقد أو تسأل عن أى نص من النصوص بما فيها : اقتلوا وانحروا وانتحروا ومثنى وثلاث وبول بعير والحريم كلهم عورات الخ الخ ..ولو سألت فأنت تزدرى الدين الأعلى ...ولا تنتقد سيدهم البخارى وابن شبرمة أو عكرمة أو ابن تيمية مهما قالوا لك ولا تسأل عما يقولونة ولكن عليك فقط الطاعة العمياء والايمان بما يقولونة حتى لو طلبوا منك الايمان بمدة الحمل أربع سنوات وغروب الشمس فى عين سخنة طينية أو الرعد والبرق هم ملائكة بمخاريق من نار . وبعد كل ذلك يتمنى سيادة السفير النقد الذاتى ...تحياتى سيادة السفير .
10. على الحامي
خوليو - GMT السبت 30 ديسمبر 2017 14:16
داءماً عزيزي فول تضرب على الحديد الحامي فيلين لك ،،نعم تعليقك رقم -٩-اصاب المنطق والمعنى والقصد،، يكرهون النقد الذاتي الحيادي لانه سيلزمهم بالسؤال عن اشياء تسيء لهم مع وجود إنذار بان النار تنتظرهم ان فعلوا ،،كل عام وانت بخير وجميع الناس بخير ولإيلاف الغراء والعاملين فيها ومسؤوليها ايضاً. .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.