GMT 4:00 2017 السبت 25 مارس GMT 9:33 2017 السبت 25 مارس :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

سير ومذكرات تختزل ذوات وتكثف حيوات

إيلاف

إقرأ.. وإن فاتك ما صدر في عام 2016، في باب السيرة الذاتية والمذكرات، فها هي الكتب المنتخبة، تقرأها لك "إيلاف" بشيء من التفصيل. لكن، ليس ثمة ما يغني عن العبور من ضفة الكتاب إلى ضفته الأخرى.

إيلاف: يقال إن التجربة خير برهان. فكيف إذا كانت التجربة إنسانية، والبرهان على تفصيلاتها مرصودة في كتاب. فالسيرة أو المذكرات فنّ قراءة الحياة بعين الفاحص، ناقل الأسرار، ومفشيها بلا حرج. 

في عام 2016، ظهرت مجموعة من كتب السير والمذكرات قيمةً نالت شهرةً وحققت انتشارًا، فارتأت "إيلاف" أن تقدم إلى قارئها لمحة جذابة إلى أحد عشر كوكبًا في هذه المجرة الأدبية، وهي مجموعة ثانية من الكتب بعد مجموعة أولى تعنى بالسياسة والشؤون الدولية.

الكتاب الأول: "العودة: الآباء والأبناء والأرض بينها"
"أن تكون ليبيًا هو أن تعيش مع الأسئلة كل يوم". هذا ما يقوله هشام مطر، ويمكن أن ينطبق هذا القول على السياسيين الغربيين الذين صفقوا لسقوط معمّر القذافي، ويرون الآن، على الضفة الأخرى من البحر المتوسط مقابل إيطاليا، دولة فاشلة، توفر أرضًا جديدة لداعش، وتصدّر مهاجرين يائسين يبحثون عن حياة أفضل في أوروبا. 

في كتابه "العودة: الآباء والأبناء والأرض بينها" The Return: Fathers, Sons and the Land In Between (منشورات راندوم هاوس. 256 صفحة؛ 26 دولارًا. منشورات فايكينغ. 14.99 جنيهًا إسترلينيًا)، يكتب مطر مذكراته بأسلوب جميل، يتناول فيها طبيعة الأسرة والمشاعر في المنفى، والعلاقات التي تربط بين الحاضر والماضي، على وجه الخصوص، بين الابن هشام وأبيه جاب الله مطر، الذي اختفى في سجن ليبي مظلم. 

أما زال جاب الله على قيد الحياة، يرزح في قبو بعد سقوط القذافي أم إنه قُتل في مجزرة 1996 التي حصدت أرواح 1270 نزيلًا في سجن أبو سليم سيء الصيت في طرابلس؟، هل يستطيع الابن أن يتوصل إلى بعض اليقين من نتف معلومات متناقضة جُمعت على امتداد عقود منذ عام 1990 حين خطفت المباحث المصرية والده في القاهرة، وسلمته إلى نظام القذافي؟.

في النهاية، لا يقين. فصور الماضي حالت وبهتت مع الزمن: الأب البطل هارب إلى تشاد في البداية، ثم إلى مصر، حيث التحق بزوجته وأطفاله، ومتسلل أحيانًا إلى ليبيا متنكرًا لرؤية والده، ثم لقاءات بالأهل في القاهرة ولندن ونيروبي، كلها في المنافي، حتى يوم عودة الابن إلى بنغازي التي عاشت فرحة موقتة بعد مقتل القذافي. 

البحث عن جاب الله هاجس يأخذ الابن إلى أروقة السلطة. فديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني وقتذاك "دافئ ومنشرح الأسارير". وفي مجلس اللوردات، بيتر ماندلسون "بدا بلا عواطف عن سابق إصرار"، ويطلب لورد روتشيلد مستشار المؤسسة الليبية للاستثمار سابقًا من نجله نتانيال ترتيب لقاء مع صديقه سيف الإسلام، نجل القذافي المفضل. الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان تطالب بمعلومات. يناشد ديزموند توتو، الفائز بجائزة نوبل للسلام، القذافي "استجلاء مصير جاب الله مطر ومكان وجوده بصورة عاجلة". وحده نيلسون مانديلا امتنع عن المساعدة، "فأفضال القذافي عليه أكبر من أن تجعله يجازف بإغضابه"، على حد تعبير هشام مطر الجارح. 

هل كان بمقدور سيف الإسلام (الذي تحتجزه الآن ميليشيا ليبية، وحكمت عليه إحدى الحكومات المتنافسة في البلد بالإعدام غيابيًا) أن يجيب عن أسئلة مطر؟، ممكن. لكن وعد سيف الإسلام بالمساعدة كان شَرطيًا، حيث لا يمكن الركون إليه، وسرعان ما تجاوزته الانتفاضة ضد نظام أبيه. وكما حذر خبير في منظمة العفو الدولية مطر ذات مرة، "ليس هناك بلد يتشابك فيه المظلوم والظالم كما يتشابكان في ليبيا". 

ليس هذا الكتاب الأول الذي يستطلع فيه مطر "الأرض البينية" في بحثه عن والده. فظهر الكثير من مذكراته في مقالة نشرتها "نيويوركر" قبل ثلاث سنوات، لكن ما يتبدى شيئًا فشيئًا من هذا النص الأطول هو صورة أكثر ظلالًا للكاتب نفسه: وُلد في نيويورك، حيث عمل جاب الله دبلوماسيًا في الأيام الأولى من عهد القذافي، لكنه عاش الشطر الأعظم من حياته خارج ليبيا، التي لا يتذكرها إلا طفلًا. والمدن في حياته مرافئ موقتة خلال سنوات دراسته الهندسة المعمارية، قبل أن يصبح شاعرًا وكاتبًا موهوبًا، حتى إن روايته الأولى (في بلد الرجال) أُدرجت على القائمة القصيرة لجائزة بوكر، أكبر الجوائز الأدبية البريطانية. ومطر في مذكراته هو الذات الفاعلة وراصد حياة بلا جذور في آن. 

لكن، هل يجب أن يستمر في الأمل بالتوصل إلى يقين؟، كان من عادات مطر بوصفه شابًا فقيرًا أن يدرس لوحة واحدة في الغاليري الوطني. وكانت اللوحة عملًا من أعمال فيلاكويز لكنه في الخامسة والعشرين نقل اهتمامه فجأة إلى لوحة "إعدام ماكسيمليان" لمانيه، من دون أن يدرك أنه فعل ذلك في يوم المجزرة التي وقعت في سجن أبو سليم. وإزاء الاضطرابات الدموية التي تعيشها ليبيا ما بعد القذافي، يكون من المغري أن نتساءل ما الذي يمكن أن يستأثر باهتمام مطر الآن. "غورنيكا" بيكاسو هي المرشح البديهي، لكن بورتريه سيزان لوالده وهو يقرأ الجريدة قد تكون خيارًا أفضل. 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21701465-tale-lost-father-and-fatherland-o-mio-babbino-caro

* "العودة: الآباء والأبناء والأرض بينها"
The Return: Fathers, Sons and the Land In Between
(منشورات راندوم هاوس؛ 256 صفحة؛ 26 دولارًا. منشورات فايكينغ؛ 14.99 جنيهًا إسترلينيًا)

مذكرات هشام مطر الباحث عن أبيه

 

الكتاب الثاني: "إليزابيث: السنوات المنسية"
تمجيد الملكة إليزابيث الأولى وذمّها في شيخوختها ممارسة قديمة قِدم عهدها نفسه. لكن قلة من ملوك انكلترا تعرّضت لمثل هذا التحامل والأسطرة التاريخيين؛ إذ جرى تصويرها ملكة تتسم بروح التحدي على غرار الملكة غلوريانا في ملحمة الشاعر إدموند سبنسر، توحّد البلاد في الدين والسلام تارة، وشمطاء متقلبة المزاج، تشتهي الشباب من أفراد حاشيتها تارة أخرى. لكنها لم تكن هذا ولا ذاك. 

في كتابه "إليزابيث: السنوات المنسية" Elizabeth: The Forgotten Years (منشورات فايكينغ؛ 490 صفحة؛ 35 دولارًا و25  جنيهًا إسترلينيًا)، يسعى المؤرخ الأسترالي الأصل جون غاي إلى إثبات أن العقود الأولى من التاريخ البريطاني السحيق، التي يركز عليها المؤرخون، وتكون فيها آخر سنوات حكم إليزابيث الحاشية التاريخية لمسألة قطع رأس ماري ملكة الاسكتلنديين وهزيمة الأرمادا الإسبانية، هي فترة حاسمة لفهم الجانب الإنساني في الملكة البريطانية الحميراء الذكية. 

كان الرجال في بلاط إليزابيث يكسبون ودّها بمآثر على الأرض، وفي البحر، متسببين في استياء طبقة النبلاء القديمة. فإن والتر رالي أذهل صاحبة الجلالة برؤيته إلى مستعمرة أميركية في نصف الكرة الغربي، وروبرت ديفيرو لورد إيسكس سعى إلى إغوائها بمؤامرات لنهب السفن الإسبانية.

لم يحقق أي منهما نصيبًا يُذكر من النجاح بعدما رصّ النظام القديم صفوفه لإحباط طموحاتهما. وعندما حاول لورد إيسكس، الذي لم يعد لديه حول ولا قوة، بعد فشل حملاته في البرتغال وفرنسا وأيرلندا، أن يشعل تمردًا ضد إليزابيث في لندن، انتهى به المآل إلى قطع رأسه. 

كان وليام سيسيل أو لورد برغلي سيد النظام القديم ومسؤول خزينة المملكة، يتحكم بإمكان الوصول إلى وثائق الدولة، ويتولى الصلات مع سفراء انكلترا وكتابة المراسلات الملكية، ويعتبر بمعايير اليوم رئيس حكومة. فإن سدس رسائل إليزابيث وتوجيهاتها البالغة 15 ألف وثيقة كُتبت بيدها أو هي التي أملتها على كاتبها، كما يقدر غاي في كتابه. 

كان لورد برغلي قويًا طيلة شطر كبير من عهد إليزابيث، حتى يمكن أن تُسمى الفترة الأولى "عصر سيسيل". لكن الملكة فقدت ثقتها به في عام 1586 حين تآمر لاتهام ماري ملكة الاسكتلنديين بالخيانة. 

كانت إليزابيث، المؤمنة بأن الملوكية تكون بإرادة إلهية، ترفض أن تُدفع دفعًا إلى إعدام منافستها، وترددت بشأن قتل عاهل اختاره الله مثل الملكة ماري. ويعتقد غاي أن إليزابيث لم تتمكن من برغلي وتقلم أظفاره إلا حين كانت في أوائل الخمسينيات من العمر. 

لكن لورد برغلي لم يكن من نمط الرجال الذين يستسلمون بسهولة. وهو أدى دورًا حاسمًا في إرسال لورد إيسكس في مهمات خارجية فاشلة. واستأجر برغلي ممثلًا لإحاطة الملكة بالأُبهة وتشنيف أسماعها بالشعر لغاية مفضوحة هي إقناعها بتعيين نجله في مجلس أمناء السر. وفي النهاية، أصبح روبرت سيسيل أمين سر الدولة، واستمر في أداء هذا الدور حتى عهد جيمس الأول. 

من الأسئلة ذات الأهمية البالغة هي كيف تمكن لورد إيسكس من البقاء كل هذه السنوات. فهو على الرغم من مغامراته العسكرية الفاشلة وعدم تحلّيه بدهاء سياسي يُذكر، بقي متنفذًا طيلة تسعينيات القرن السادس عشر. وأشار كتاب سيرة سابقون إلى أن الملكة الستينية هامت بحب هذا القرصان، الذي كان في ثلاثينياته، لكن غاي يقلل من شأن أي دسائس جنسية للإيقاع به، لافتًا إلى أن الملكة كانت، بدلًا من ذلك، تبحث عن رجل من رجال البلاط يحجم سطوة سيسيل. لكن يُسجل على إليزابيث إبقاؤها رجلًا كان يحبط سياستها الخارجية، ويثير الفتن والانقسامات في البلاط.

لن يجد المعجبون بالملكة إليزابيث ما يبرر إعجابهم بها إلا في قلة من الصفحات. فهي بدلًا من كونها قائدة حربية أسطورية تطلب السلام مع إسبانيا حين كانت هذه تبني أساطيلها الغازية، كانت تدفع للمحاربين القدماء رواتب ضئيلة، وتشنق جنودها حين يطالبون بتحسين رواتبهم، وتطلق النار على النبلاء الكاثوليك وتتواطأ على تعذيبهم. وما يظهر من جهود الكاتب الكبيرة لتنقيب الأرشيفات بحثًا عن صورة أكثر صدقًا هو إليزابيث لها مثالبها، وربما صورة أكثر إنسانية عنها. 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21697810-new-assessment-final-years-elizabeths-reign-smart-redhead

* السنوات المنسية"
Elizabeth: The Forgotten Years
(منشورات فايكينغ؛ 490 صفحة؛ 35 دولارًا و25 جنيهًا إسترلينيًا)

 

سنوات أليزابيث الأولى المنسية

 

الكتاب الثالث: "نصف أسد: كيف حوّل بي في ناراسيما راو  الهند"
ورث رئيس وزراء الهند العاشر بي في ناراسيما راو بلدًا على حافة الانهيار. ففي الفترة التي سبقت انتخابات 1991، كان الانفصاليون يعربدون في كشمير والبنجاب، وكادت الخزينة تفرغ من احتياطات النقد الأجنبي، وقُتل 800 شخص في اشتباكات متفرقة في أنحاء البلاد. ثم قام انتحاري من نمور التاميل بتفجير رئيس الوزراء راجيف غاندي في أثناء خوضه الحملة الانتخابية في جنوب الهند. 

كان ناراسيما راو خليفة غاندي غير المتوقع، وهو باحث قليل الكلام خبير في الإدارة الحكومية، لكن بلا تأييد شعبي يُذكر. ظن شيوخ حزب المؤتمر أنهم يعيّنون دمية يحركونها كما يشاؤون في منصب رئيس الوزراء، لكنهم حصلوا على أكبر زعيم هندي منذ جواهر لال نهرو، كما يقول فيناي سيتاباتي في كتابه "نصف أسد: كيف حوّل بي في ناراسيما راو الهند" Half-Lion: How P.V. Narasimha Rao Transformed India (منشورات بنغوين الهند؛ 391 صفحة؛ 699 روبية). 

كانت الهند ذات التوجه الاشتراكي في مرحلة متقدمة من التحلل حين تسلم راو مهام عمله. وبمساعدة وزير ماليته مانموهان سنغ، أعد خطة جذرية لخفض قيمة الروبية الهندية وفتح السياسات التجارية وتخفيف الحواجز التي تعترض دخول رؤوس الأموال الأجنبية وانطلاق المنافسة.

لكن مقاومة التغيير كانت عنيدة. وتعرّضت حكومة الأقلية برئاسة راو لعمليات تصويت متعددة لحجب الثقة عنها في البرلمان. وعثر سيتاباتي الذي يدرس لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة برينستون على وثيقة مهمة تكشف أن رئيس الوزراء تمكن من البقاء وتمرير إصلاحاته لأسباب عدة، منها استخدام أجهزة الاستخبارات الهندية لإيجاد وقائع مشينة في حياة النواب المشاكسين وتهديدهم بكشفها إذا لم ينصاعوا.
 
حين تولى راو الذي يتكلم 12 لغة، بينها العربية والفرنسية والفارسية والإسبانية، منصب وزير الخارجية في ثمانينيات القرن الماضي، كان يسحر زعماء العالم بمخاطبتهم بلغتهم. وعندما أصبح رئيسًا للوزراء بادر إلى إجراء مراجعة شاملة لسياسة الهند الخارجية، فأخذ يغازل بلدان جنوب شرق آسيا لمواجهة نفوذ الصين المتعاظم في المنطقة، وأبعد الهند عن الاتحاد السوفيتي، وقربها من الغرب، بل أقنع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بزيارة الهند، والموافقة على إقامتها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. 
وبدأ من كانوا ينظرون إلى راو على أنه قائد ضعيف يشبّهونه بـ"كاوتيليا"، المخطط الاستراتيجي للإمبراطورية الماورية الذي أصدر كتابًا عن فن إدارة الدولة قبل ماكيافيلي بألف سنة.

كان فشل راو في منع المتطرفين الهندوس من تهديم مسجد بابري القروسطي بعد اجتماع سياسي حاشد في عام 1992 بقعة سوداء في سجله السياسي. لكن سيتاباتي يدافع عنه بضراوة، مشيرًا إلى أن أسوأ ما يمكن أن يُقال بحق راو هو إن ثقته بالضمانات الشخصية التي أعطاها إياه زعماء قوميون هندوس كبار كانت تنمّ عن سذاجة. واتُهم راو البراهمي المؤمن بالتواطؤ سرًا مع تدمير المسجد. لكن سيتاباتي يفند هذه التهمة بإعادة بناء الحوادث بتفاصيلها الدقيقة.  

كانت الهند بلدًا مختلفًا يوم أنهى راو مهام عمله في رئاسة الحكومة. وانضم حتى الشيوعيون إلى التوافق الذي حققه بشأن حرية التجارة. وبرع الباحث سيتاباتي في عزوه التحول الذي شهدته الهند إلى رؤية راو وقيادته. لكنه لا يبدي القدر نفسه من البراعة في تفسير الآثار السلبية لهذا التحول. فإن صعود النزعة القومية الهندوسية على الرغم من نفور راو منها، يندرج ضمن تركته، وكذلك صعود الأوليغارشيين وغيرهم من الأثرياء الجشعين، الذين انتشروا في أنحاء الهند. 

وعانى الريف الهندي معاناة غير متناسبة خلال سنوات راو في الحكم. وبعدما أقصاه الناخبون الذين كانت غالبيتهم الساحقة من الفقراء عن الحكم، بدا راو وكأنه يندد بما صنعته يداه، فهاجم اللامساواة المتزايدة في واحد من خطاباته الأخيرة، محذرًا من "اقتصاد التنقيط"، أي خفض الضرائب على الأثرياء، عسى أن ينتفع الفقراء، ليس مجديًا.  

كانت خطيئة راو أنه لم يبد الاحترام الكافي لعائلة غاندي في أثناء توليه مقاليد الحكم. وأمضى سنواته الأخيرة منبوذًا. وأُزيل اسمه من التاريخ الشعبي لحزب المؤتمر، ونُسب الفضل في إنجازاته إلى مانموهان سنغ وراجيف غاندي. لكن سيتاباتي يدافع في كتابه عن راو بوصفه أب الإصلاحات الاقتصادية في الهند. 

حين توفي راو في عام 2004، رفضت سونيا غاندي، عميدة عائلة غاندي، السماح بحرق جثمانه في دلهي أو تسجيته في مقر الحزب. وشُيّع راو في جنازة مهينة لم يحضرها أحد ذو شأن من مؤسسة الحكم، ولم تتوافر لها حراسة تُذكر. وأفادت التقارير بأن كلابًا سائبة نهشت ما تبقى من جثمانه الذي لم يُحرق كاملًا. 

انتشل سيتاباتي موضوع كتابه من الهوان والتجاهل الذي لاقاه من المهيمنين على حزب المؤتمر، ربما لأن راو يستحق مكانًا إلى جانب نهرو الذي كان أكبر رئيس وزراء عرفته الهند. 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21706236-rehabilitating-great-indian-leader-raise-him-up

* "نصف أسد: كيف حوّل بي في ناراسيما راو الهند"
Half-Lion: How P.V. Narasimha Rao Transformed India
(منشورات بنغوين الهند؛ 391 صفحة؛ 699 روبية)

 ناراسيما راو أو نصف الأسد


الكتاب الرابع: حين يصير النَفَس هواءً 
كثيرون يتجنبون الحديث عن الموت. أما الأطباء فإنهم يواجهونه كل يوم، يقرأون صور المسح الإشعاعي المبقعة بالأورام كما يتابع آخرون أخبار السوق. ولكن سنوات من الإعداد لا تستطيع أن تخفف من وطأة الوخزة عندما تكون فرص المريض القاتمة بالحياة كما تظهر في الصورة الإشعاعية هي فرص الطبيب نفسه مريضًا. 

في كتابه "عندما يصير النفس هواءً" When Breath Becomes Air (منشورات راندوم هاوس؛ 238 صفحة؛ 25 دولارًا. منشورات بودلي هيد؛ 12.99 جنيهًا إسترلينيًا)، ينظر بول كالانيثي، جراح الأعصاب الشاب المحتضر بالسرطان، نظرة فاحصة إلى حياته، وإلى موهبته اللغوية، وأجزاء الدماغ التي تتحكم في ذلك، وأهمية ذلك في ما يجعل منا بشرًا. 

توفي كالانيثي عن 37 عامًا، بعدما أمضى سنوات في دراسة جراحة الأعصاب. وعزا طبيبه آلامه الحادة وذبول جسمه في البداية إلى متطلبات العمل طبيبًا مقيمًا في المستشفى. لكن السبب كان إصابته بالسرطان، الذي انتشر من رئتيه إلى نخاعه الشوكي وكبده. 

قال كالانيثي إن فهم الشخص للزمن يتغيّر حين يسمع هذا النبأ. وهو اختار في الأشهر الأخيرة من حياته أن يصبح أبًا، وأن يكتب أيضًا. ونشرت مقالاته جامعة ستانفورد، حيث كان يعمل، وصحيفة "نيويورك تايمز". ويعتبر كتابه "عندما يصبح النفس هواء" استطلاعًا أعمق للموضوعات التي كان يثيرها، وتأملات في الحياة والمعنى أكثر منه مذكرات. إنه كتاب صغير غير اعتيادي كتبه رجل غير اعتيادي. 

كان كالانيثي طبيبًا بمؤهلاته الأكاديمية وفيلسوفًا بمزاجه، من النمط الذي استوحى الكاتب ألدوس هاكسلي قي بحثه لدخول الجامعة كي يجادل بأن السعادة ليست غاية الحياة. وحين كان قائد مخيم شبابي في العشرين، قرأ كتابًا بعنوان "الموت والفلسفة" في أثناء استخدام جسمه الداخلي في لعبة من ألعاب الأطفال. وفي الجامعة درس الأدب، "أغنى مادة للتأمل الأخلاقي" على حد تعبيره، وبيولوجيا الإنسان، من أجل "وضع أكثر قواعد الدماغ إناقة". كان كالاثيني مهجوسًا بطريقة الأشخاص في إيجاد معنى. 

يكتب كالانيثي عن حوادث صغيرة يُراد منها أن تؤلف خبرة إنسانية: طوافه في صحراء أريزونا وهو صبي، متعته في قراءة تورو وكامو، أحاديثه مع زوجته والإحساس الغريب الذي كان ينتابه وهو يشرّح جثة بأن ما يفعله شيء اعتيادي. 

في العمل، ما واجه علائم الموت، بل واجه واقعه الدائم. يصف كالاثيني شعوره بقدر من الخجل عندما ترك سندويش الآيس كريم الذي كان يتناوله لإنقاذ مريض يحتضر، بلا جدوى، وكيف عاد إلى الآيس كريم المائعة، ليكمل أكلها، بعد موت المريض بين يديه. 

يكتب عمّا يمكن أن يفسره العلم "وعجز العلم عن استيعاب الجوانب الأكثر مركزية في حياة الإنسان، وهي الأمل والخوف والحب والكراهية والجمال والحسد والشرف والضعف والسعي والمعاناة والفضيلة".

أشد ما يثير الاهتمام هو أن كالاثيني يكتب عن اللغة، عن تلك الأقسام في الدماغ التي تتحكم بها وأهمية اللغة المركزية في ما يجعلنا بشرًا. وهو يصف مولد ابنته بأسلوب مؤثر - هذا الوهن تمدد مقمطًا، فيما كانت زوجته تعاني آلام المخاض بجانبه - وعن حب ملأ روحه لطفلته الجديدة.

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21690011-intimate-essential-memoir-meaning-he-lay-dying

عندما يصير النفس هواءً
When Breath Becomes Air
(منشورات راندوم هاوس؛ 238 صفحة؛ 25 دولارًا. منشورات بودلي هيد؛ 12.99  جنيهًا إسترلينيًا)

حين يصير النفس هواءً


الكتاب الخامس: "كارل ماركس: العظمة والوهم"
انهارت الشيوعية قبل نحو 30 عامًا، لكن تأثير كارل مارس ما زال حيًا. نجد مقاربات ماركسية في بعض ما يُنشر اليوم في التاريخ والسوسيولوجيا. تشمل أعمال ماركس "البيان الشيوعي"، الذي كتبه مع فريدريك إنغلز عام 1848، ولعل تأثيره في العالم الحديث كان أبلغ مما يفترض الكثيرون. ربما تحقق أربعة من مطالب البيان العشرة الأساسية في عدد من البلدان الغنية، بما فيها "التعليم المجاني لكل الأطفال في المدارس الحكومية" و"ضريبة دخل تصاعدية أو تدريجية". 

لا دليل على أعمال ماركس أفضل من المؤرخ البريطاني غاريث ستيدمان جونز، الذي يقدم جونز في كتابه "كارل ماركس: العظمة والوهم" Karl Marx: Greatness and Illusion (منشورات بلكناب؛ 768 صفحة؛ 35 دولارًا. منشورات ألين لين؛ 35 جنيهًا إسترلينيًا) توصيفًا غنيًا لحياة ماركس، الذي أمضى شطرًا كبيرًا منها في فقر مدقع. كان كارل المولود في ألمانيا، كما يشير المؤلف، يعمل ثلاثة أو أربعة أيام متواصلة من دون نوم، وكان مريضًا على الدوام (نظامه الغذائي الذي لا مهادنة فيه من "الصحون الدسمة والسمك المدخن والخيار المخلل مع نبيذ "موسيل" والبيرة والليكور، كان لا يساعد على تحسين صحته). يبدو ماركس شخصًا بغيضًا، متغطرسًا وعنصريًا لا يكفّ عن الاستدانة من إنغلز. 

لعل سيرة ماركس التي نشرها كاتبها فرانسيس وين في عام 1999 خيار أفضل للقراء الأكثر اهتمامًا بمثل هذه التفاصيل. فكتاب جونز هو في المقام الأول سيرة فكرية تركز على السياق الفلسفي والسياسي، الذي كان ماركس يكتب فيه، إذ نال ماركس شهادة دكتوراه في الفلسفة في عام 1841، وكان محاطًا بسجالات حامية حول آثار التصنيع وموقع الدين في العالم الحديث. وكان قارئًا نهمًا لمجلة إيكونوميست مجاهرًا في الوقت نفسه بانتقاده لها بوصفها "الناطق الأوروبي باسم أرستقراطية المال". 

على النقيض مما يُفترض في أحيان كثيرة، لم يخترع الشيوعية، بل إن راديكاليين، مثل بيار جوزيف برودون (1809-1867) والحركة التشارترية في انكلترا، استخدموا منذ زمن طويل لغة يعتبرها قراء اليوم الحاضر لغة "ماركسية": "التمتع بالمساواة السياسية والغاء الملكية"، "جيش العمال الاحتياطي"... الخ. 

إذًا، ما كانت مساهمة ماركس؟، كان يمضي الكثير من وقته في الاختلاف مع راديكاليين آخرين، مهاجمًا برودون بصفة خاصة، وشبّهه بواحد "من الاقتصاديين البورجوازيين". 

الأهم من ذلك أن ماركس حاول أن يوفر إطارًا نظرًا عامًا لآلية عمل الرأسمالية، خصوصًا كتابه "رأس المال" الذي نُشر في عام 1867.
 
توصيف ماركس للرأسمالية توصيف أنيق ببساطته. كان يجادل بالقول إن العمال ينتجون كل يوم قيمة من البضائع أعلى من اللازم لإعالة أنفسهم، وأن الرأسماليين يستحوذون على فائض هذه القيمة. ولا يستطيع العمال نيل هذا الفائض لأنهم لا يملكون رأسمالًا (آلات، أبنية وما إلى ذلك). لكنهم، مع زيادة ما ينتجونه، يخلقون مزيدًا من رأس المال، مكرّسين بذلك هيمنة الرأسماليين. وبحسب ماركس فإن "النظام القائم، كما يُفترض، على تبادل متساوٍ وعادل يمكن أن يحقق بصورة ثابتة فائضًا لأحد طرفي عملية التبادل". 

ستيدمان جونز مؤرخ بميول ماركسية، لذا قد يتوقع القارئ منه تزكية رنانة لأفكار ماركس العظيم. لكن المؤلف ينتقدها بشدة في كتابه. على سبيل المثال، يشير إلى أن ماركس "استهان بالتطورات الجارية في الاقتصاد السياسي"، وكان ذلك خطأ كبيرًا إزاء التغير المتسارع الذي كان يشهده هذا الحقل وقتذاك. والأشد انتقادًا أن "غروندريسة"، المخطوطة الناقصة التي يعتبرها كثير من الماركسيين الجدد كنزًا في النظرية، تعاني من "عيوب بمحاجَّاتها الأساسية".

يتخذ ستيدمان جونز موقفًا نقديًا أشد حدة تجاه أقسام من "رأس المال"، إذ يشرع ماركس في أحد مقاطع الكتاب للإجابة عن لغز. ذلك أن تغير مستويات العرض والطلب يفسر السبب في ارتفاع سعر السلعة أو هبوطه، ولكنه لا يسفر لماذا يكون سعر السلعة في حالة التوازن بين العرض والطلب، على ما هو عليه في هذه الحالة. وعلى سبيل المثال لماذا يكون سعر الفراولة أغلى من سعر التفاح؟. 

لحل هذا اللغز اعتمد ماركس على "نظرية القيمة في العمل". وساعد على البرهنة على أن سعر السلعة يتحدد بزمن العمل الذي دخل في إنتاجها ـ الأمر الذي يبيّن كيف يُستغَل العمال. لكنه "استبعد بصورة اعتباطية مرغوبية السلع النسبية أو منفعتها"، التي ستكون بنظر غالبية الأشخاص التفسير البديهي، كما يقول سيتدمان جونز. ويعبّر الكاتب عن شعور العديد من الباحثين المتخصصين بعمل ماركس: إقرأوا الفصول النظرية المكثفة من "رأس المال"، ومهما حاولتم فإنه من الصعب الهروب من الاستنتاج بأن هناك الكثير من الهراء.

يرى ستيدمان جونز أن القيمة الحقيقة لمثل هذا العمل تكمن في إدانته الحياة اليومية الحقيقية التي كانت تواجه الطبقة العاملة الانكليزية. وقام ماركس بتركيب "حشد استثنائي من الإحصاءات والتقارير الرسمية والتقارير الصحافية" ليبيّن مشقة الحياة على كثيرين يعيشون في أكثر البلدان الصناعية تطورًا في العالم وقتذاك. 

لكن، حتى بحوثه التجريبية كانت تعاني من الثغرات، الأمر الذي يتحاشى ستيدمان جونز التعريج عليه. فهو لم يولِ اهتمامًا كافيًا، على سبيل المثال بالإجراءات الموضوعية لمستوى المعيشة (مثل الأجور الحقيقية) الذي كان يتحسّن تحسنًا واضحًا بحلول خمسينات القرن التاسع عشر. 

يتمثل الانطباع الرئيس الذي يخرج به القارئ من هذا الكتاب في أن سمعة ماركس (في الأقل في بعض الأوساط) بوصفه اقتصاديًا - فيلسوفًا لا يُبارى، انطباعًا خاطئًا إلى حد بعيد، إذ خطط ماركس لكتابة "رأس المال" في أجزاء عدة، وأنجز الجزء الأول. لكن، عندما حان وقت كتابة الجزء الثاني فإن ماركس، إذ أدرك بأنه سيواجه عقبات فكرية يتعذر تذليلها، تذرّع بالمرض (على الرغم من أنه بدا قادرًا على إجراء أشكال أخرى من البحوث). 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21705665-value-marx-21st-century-false-consciousness

* "كارل ماركس: العظمة والوهم"
Karl Marx: Greatness and Illusion
(منشورات بلكناب؛ 768 صفحة؛ 35 دولارًا. منشورات ألين لين؛ 35 جنيهًا إسترلينيًا)

 

كارل ماركس العظمة والوهم


صورة: كارل ماركس العظمة والوهم

الكتاب السادس: "أرض السود "
أن يشبّ المرء أميركيًا من أصل أفريقي قد يبدو هيّنًا، لكن مذكرات مارغو جيفرسون تظهر كيف اضطر من نجوا من وحشية الفصل العنصري في الجنوب الأميركي أن يتعلموا تحمّل مجموعة أقسى من القواعد والافتراضات: أن يتفوّقوا من دون أن يلمعوا؛ أن يرتاحوا أينما حلوا، أن يتوقعوا أن تطلّ الأحكام المسبقة برأسها في أي لحظة. 

تقول المؤرخة الأميركية مارغو جيفرسون: "كنا في أرض السود نحسب أنفسنا عرقًا ثالثًا بين جماهير الزنج وسائر طبقات البيض"، وذلك في مذكراتها التي عنونتها "أرض السود: مذكرات"، وهي مذكرات ثاقبة تفضّ في جوهرها الغلاف عن عبارة أرض السود أو نيغرولاند وكشف دلالاتها، لنبدأ باختيارها الواعي ذاتيًا لمفردة "زنجي" أو نيغرو.

فوقعها في الأذن الحديثة يبدو باليًا، ناهيكم عن كونها مفردة جارحة. لكن، كما توضح جيفرسون، ما من كلمة أخرى تعبّر كما تعبّر مفردة "زنجي" عن نطاق العلاقات العرقية المعذبة في أميركا وتعقيداتها. فهذه مفردة "للملصقات عن عبد هارب ولبيانات حركة الحقوق المدنية... مفردة لغة نغمية يتغيّر معناها مع تغير المكان والسياق". 

"نيغرولاند" هو الاسم الذي تطلقه جيفرسون على "منطقة صغيرة من أميركا الزنجية احتمى سكانها بقدر من الامتياز والوفرة". هذه المنطقة ليست محدَّدة جغرافيًا، بل توجد في غالبية المدن الأميركية الكبيرة. وجيفرسون وليدتها، حيث نشأت في برونزفيل وبارك مانر، وهما من أحياء السود الراقية على الجانب الجنوبي من شيكاغو في خمسينيات القرن الماضي. 

ليست جيفرسون أول من يؤرّخ لهذه المنطقة. ففي عام 1841، كتب طبيب الأسنان جوزيف ولسون "مشاهد من الطبقات العليا للمجتمع الملوّن في فيلادلفيا"، وهو مقال إنشائي فيكتوري، دعا فيه ولسون مجايليه إلى أن يكونوا مثقفين ومتعلمين، وفي المقام الأول أن يكونوا متواضعين.

بعد نحو عقدين من الزمان، قدم سيبريان كلامورغان عملًا أكثر استعراضية، "الأرستقراطية الملوّنة في سانت لويس"، إلى القراء من أصحاب القصور الذين يرسلون أطفالهم للدراسة في أوروبا. وفي عام 1903 أطلق دبليو. إي. بي. دوبوا، وهو سوسيولوجي أسس واحدة من من أبرز منظمات الحقوق المدنية في أميركا (الجمعية الوطنية لتقدم الملوّنين)، على النخبة المثقفة الأميركية ـ الأفريقية اسم "العُشر الموهوب"، وعلّق آماله عليها لتحقيق التقدم بين الجماعات العرقية. 

لكن، بخلاف السود الأثرياء، وبخلاف فئات بيضاء غنية، مثل نخبة بوسطن والنخبة الزراعية الجنوبية، فإن الطبقة العليا السوداء بوصفها فئة اجتماعية - لها طقوسها وأنسابها، مثل المجتمع الجنوبي، ولها أنديتها الاجتماعية الخاصة على غرار نخبة بوسطن - تبقى ضبابية على كثير من الناس. 

حتى عام 1999، عندما نشر المحامي والكاتب أوتيس غراهام كتابه الحبور "صِنفُنا نحن من الناس"، تساءلت صحيفة "نيويورك تايمز" في عنوان رئيس: "هل هناك طبقة عليا سوداء؟".

يذهب رالف اليسون في روايته المرجعية "الرجل غير المرئي" إلى أن الغالبية في أميركا تلاقي صعوبة في النظر إلى السود على أنهم أفراد مكتملون لهم سماتهم المميزة. كما تلاحظ جيفرسون أن هناك خانات يستطيع الأميركيون البيض أن يضعوا فيها رياضيين وفنانين سودًا ذوي ثراء فاحش، وخانات أخرى للفقراء السود، لكن حين يواجهون محامين وأطباء أسنان ورجال أعمال سودًا ناجحين، أي عندما يواجهون سودًا شقوا طريقهم في الحياة الاعتيادية مثلهم أو حتى أفضل منهم، فإن مخيلتهم تخونهم. وتكتب جيفرسون: "لسنا ما يريدون أن يروه في كتبهم وأفلامهم. فهويتنا نحن مثل هويتهم هم، الأمر الذي يهدّدهم ويضجّرهم أو يهددون ويضجرون على حد سواء".  

يلخص الكتاب التوتر بين الرغبة في أن يكون هؤلاء السود الصاعدون مرئيين، والخوف من أن يكونوا مرئيين. تعلمت جيفرسون التفوق، لكن ألا تتباهى بتفوقها، وأن تتنافس مع أي شخص، بصرف النظر عن العرق، وأن تشعر بالارتياح في أي مكان، ولكن أن تكون واعية بأن التحامل يمكن أن يرفع رأسه البشع في أي لحظة. 

نجت جيفرسون من وحشية الفصل العنصري في الجنوب، وتعلمت أن تتعاطى مع مجموعة أكثر تعقيدًا من القواعد والافتراضات الضمنية. وكانت حركة "القوة السوداء" في ستينيات القرن الماضي شككت في جدوى السعي إلى النجاح بشروط مجتمع البيض، وبحلول السبعينيات أصبح "مجتمع البيض يتسابق لضمّنا إلى صفوفه... فنحن نعمل في شركات (عادة مدراء الموارد البشرية)"، كما تكتب جيفرسون. ولا بد من القول إن جيفرسون أستاذة في الغمز واللمز والسخرية. 

يمتلئ الكتاب بأقساط متساوية من الإعجاب بما يتطلبه نجاح الأسود، الذي ينتمي إلى "العرق الثالث" في الحياة، وحزب عميق بسبب اضطراره إلى بذل جهد مضاعف. وتعيد جيفرسون إنتاج رسالة كتبتها والدتها إلى صديقة في عام 1944 حين كانت شابة متزوجة بضابط في الجيش: "قل لهيرثا إني أتمنى لها كل ما عندي من السعادة، لأن هذا هو أقصى ما يتمناه المرء. أحيانًا أنسى أني زنجية. وهذا شيء له مغزاه، أليس كذلك". 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21703354-growing-up-upper-class-african-america-world-apart


* "أرض السود: مذكرات"
Negroland: A Memoir
(منشورات فينتاج؛ 248 صفحة؛ 16 دولارًا. منشورات غرانتا؛ 12.99 جنيهًا إسترلينيًا)

مذكرات من أرض السود

 

الكتاب السابع: "كينيث كلارك: حياة، فن وحضارة"
باردٌ هو جيمس ستورتون وعظيم في الوقت نفسه، قادر على سخرية سهلة ممتنعة، وهو يؤلّف سيرة كينيث كلارك، معتنيًا بالبحث في مصادرها، فتخرج سيرةً لرجل مرتبك ومجهول، صار أبرع شعبوي ثقافي في القرن العشرين.

أصبح كينيث كلارك، الذي خلع عليه هارولد ولسن لقب اللوردية في عام 1969 بعد نجاح مسلسله التلفزيوني الملحمي "الحضارة"، معروفًا على نطاق أوسع بلقب "لورد الحضارة". وبنظر ناقد أكاديمي في عالم الفن لم يكن متعاطفًا معه فإنه كان "لورد التفاهة". أما الأصدقاء والزملاء فكانوا بكل بساطة يسمونه "ك". يجمع جيمس ستورتون سيرته في كتابه "كينيث كلارك: حياة، فن وحضارة" Kenneth Clark: Life, Art and Civilisation (منشورات كنوبف؛ 478 صفحة؛ 35 دولارًا. منشورات وليام كولينز؛ 30 جنيهًا إسترلينيًا).

يرى نيل ماكريغر، المدير السابق للغاليري الوطني والمتحف البريطاني، أن "ك" كان "أبرع شعبوي ثقافي في القرن العشرين" وأن "لا أحد يستطيع الحديث عن صور على الراديو أو التلفزيون من دون أن يعرف أن كلارك تحدث عنها قبله، وأن كلارك تحدث عنها أفضل منه". 

كان جون راسكن بطل كلارك الناقد الفني في العصر الفكتوري الذي كان يعتقد أن الجمال حق طبيعي للجميع، وكان إنجازه أن يبدو هذا وكأنه هو المنطق السليم. لكن سمعة كلارك لم تدم. وبعد وفاته كان يُعرف على الأرجح بأنه والد السياسي اللامع والغاوي وكاتب اليوميات آلن كلارك. 

في زمن حياته المهنية تولى "ك" من المهمات ما لا يتسع له وقته: مدير الغاليري الوطني حين كان الغاليري رمزًا للمساهمة الثقافية في المجهود الحربي، مع حفلات شهيرة في الغناء المنفرد تحييها مايرا هيس، ونقل مجموعة الغاليري إلى مقلع حجارة آمن في مقاطعة ويلز، ثم رئيس مجلس الفنون والهيئة التي أنشأت التلفزيون التجاري في بريطانيا، ومشاركته الكبيرة في إحياء دار الأوبرا الملكية، وتأسيس المسرح الوطني، وكاتب دراسات عن ليوناردو دافنشي وعن العري في الفن. 

هذه المسؤوليات جعلته شخصية نموذجية تمثل النخبة المهيمنة في بريطانيا، موضع إعجاب وخوف، على الرغم من أنه كان، وراء الواجهة، معرّضًا لنوبات من الشك في نفسه. كان الابن الوحيد لعائلة أنشأت معامل للنسيج القطني الناعم في بيزلي، ورث ثروة طائلة، لكنه كان دائمًا يصرّ على أنه اشتراكي. 

كان الملك جورج الخامس حريصًا على أن يكون كلارك "مسَّاح صور الملك" حتى تجاهل الأعراف البروتوكولية، وزاره شخصيًا في الغاليري الوطني لإقناعه بتولي المنصب، فتولاه. كان كلارك يدرك أن الحياة التي يحبها تعتمد على إقامة تعاون وثيق مع الطبقات الحاكمة، ولكنه كان قادرًا على احتقارها أيضًا. 

سيرة حياة كلارك المشوقة والمرجعية التي كتبها ستورتون تشدّ القارئ في عرضها لصعود شاب محظوظ نشأ في عائلة ثرية، كان في عجلة لتحقيق طموحاته. وبعد وينتشستر (المدرسة التي لم يحبها) وجامعة أوكسفورد، بدأ العمل في فلورنسا باحثًا تحت إشراف برنارد برينسون، وهو عالم كبير متخصص في عصر النهضة. كان في الثامنة والعشرين تقريبًا عندما أُتيحت له فرصة أن يصبح مسؤول قسم الفنون الجميلة في متحف آشمولين في أوكسفورد، وفي الثلاثين عندما عُيّن مدير الغاليري الوطني. 

كان وقتذاك ذائع الصيت بكفاءته الأشبه بالأتمتمة والمخيفة في أحيان كثيرة، وكان قادرًا على أن يكون فظًا ونزقًا، لكنه كان يتقن تسيير الأمور. 

بيد أن حياة "ك" كانت أكثر من ذلك. ويصف ستورتن، وهو رئيس سابق لدار سوذبي في بريطانيا، لورد كلارك بأنه رجل مغرم بالغرام. ولا بد من أن تكون علاقاته ومغامراته الجنسية أجّجت غوايته هذه، وكان من عواقب ذلك أن زوجته جين أخذت تتعاطى الخمرة بنهم. 

بقي "ك" شريكًا اجتماعيًا وفيًا، لكنه اعترف ذات مرة قائلًا: "جميع السيدات اللواتي أحببتهن كن يتعاطين الخمرة". يمكن أن تُقرأ قصة "ك" على أنها حكاية أخلاقية. فبعد وفاة جين، تزوج لورد كلارك بنولوين رايس، وهي امرأة كان بالكاد يعرفها. وكافحت رايس من أجل الظفر به مع جانيت ستون، حبه الكبير في النصف الثاني من حياته. وكانت معركة بشعة على وراثة جين لم يكن كلارك، الذي نضبت غوايته، طرفًا فيها. وبالنسبة إلى حياة كان محركها البحث الدائب عن الرقي، فإنها لم تكن نهاية راقية. 


أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/books-and-arts/21707971-fascinating-biography-kenneth-clark-shows-how-much-cultural-life-britain-has

* "كينيث كلارك: حياة، فن وحضارة"
Kenneth Clark: Life, Art and Civilisation
(منشورات كنوبف؛ 478 صفحة؛ 35 دولارًا. منشورات وليام كولينز؛ 30 جنيهًا إسترلينيًا).

 

سيرة حياة كينيث كلارك


الكتاب الثامن: "ولد ليركض"
صارت أجمل أغاني بروس سبرنغستين أبدية، مثلها مثل الفن العظيم. وكلما كان تركيزها محليًا تحوّلت عالمية بصورة سحرية. وعلى حد تعبير سبرنغستين في سيرة حياته الجديدة "وُلد ليركض" Born to Run (منشورات سايمون آند شوستر؛ 528 صفحة؛ 32.50 دولارًا و20 جنيهًا إسترلينيًا)، يغني عن "فرح الحياة اليومية وغصّاتها"، عن رتابة الهزيمة والتحدي، عن الحنين إلى الأهل وجاذبية شدّ الرحال، وكلها ثنائيات مألوفة، ترتقي على نحو ما في أغانيه الشعبية إلى ميثولوجيا أميركية جديدة.

كما تروي هذه السيرة، توحي هذه الأغاني بأنها صادقة، لأنها صادقة حقًا. وتكمن في صميم نتاجه وكتابه علاقته المؤلمة بوالده الذي كان في بعض الأحيان شرسًا، يأتي بسبرنغستين الطفل من حانات فريهولد في نيو جرسي إلى والدته التي طال عذابها بسببه. 

يسجل سبرنغستين حروبه مع والده حول شعره الطويل، والتي تكللت بإحضار الأب حلّاقًا حين كان ابنه عاجزًا عن الحركة نتيجة حادث دراجة نارية. هناك أيضًا حالات الصمت الذي يغلي تحت السطح، وتعاطي الكحول، وكذلك شعور الأب المفاجئ بالارتياح عندما أخفق ابنه بروس في الاختبار الطبي لتجنيده (قال "هذا أمر جيد")، ورهبة الأب حين يُريه الابن الأوسكار الذي فاز به عن "فيلادلفيا" (قال بعدها: "لن أقول لأحد ما يجب أن يفعله ثانية إلى الأبد").

ويشرح سبرنغستين كيف حاول الإفلات من وراثة التدمير الذاتي والكآبة متعاملًا مع هذه الكآبة بطلب الاستشارة والحبوب والعلاج الذاتي بالموسيقى. وهو يقول عن فنه: "أنا رجل تصليحات". 

استأجرت والدته غيتاره الأول بعدما رأى وهو في السابعة ألفيس بريسلي يغني في برنامج إيد سوليفان "صندوق الموسيقى يوم السبت". كان بيت العائلة بلا ماء ساخن أو هاتف، في حي تسكنه عائلات أيرلندية - إيطالية أخرى، حيث "لم أر قط رجلًا يخرج بسترة وربطة عنق، إلا إذا كان متوجهًا إلى الكنيسة يوم الأحد أو يواجه متاعب".

كان أفراد عائلة سبرنغستين يجمعون أجهزة الراديو القديمة المرمية لكي يصلحها جدهم، ويبيعها إلى العمّال المهاجرين. وكان سبرنغستين يطلب توصيله مجانًا إلى حيث يريد من "كل ريفي أخرق وكل عامل أبيض خشن وكل مواطن مسؤول ومثير للشغب توفره منطقة جيرسي شور". وكانت لديه جدة غمرته "بحب مهول، لا يُنسى، بلا حدود". وأضفت عليه الديانة الكاثوليكية روحًا من التمرد مع شبح الإيمان. 

في النهاية، ولكل الشبان الذين رحلوا عن المدينة في أغانيه، فإن والديه هما من هجراه منتقلين إلى كاليفورنيا في عام 1969 حين كان في التاسعة عشرة. وبقيت شقيقته الأصغر فرجينيا في جيرسي معه. لكن سرعان ما رحل عن فريهولد جالسًا في ظلام الليل على أريكة عتيقة في حوض شاحنة. 

في هذه المقاطع، تبدأ صيغة نجاحه بالتبلور: إهمال وعالم من ذوي الياقات الزرقاء في خمسينيات القرن الماضي والخبرة الاجتماعية في الستينيات، والحرية والحرمان.

كان ينام في معمل لإنتاج ألواح التزلج على الأمواج، وأحيانًا على الشاطئ. كانت تلك حقبة الحرب الفيتنامية: قُتل طبال من أوائل فرقته بقذيفة هاون، ومدير شوّه أحد أصابع قدمه لإعفائه من التجنيد. كل هذه الاحتقانات إلى جانب أخلاق مهنية صارمة. 

كانت فرقه تعزف في "مهرجانات رجال الإطفاء والكرنفالات وساحات وقوف السيارات وبمناسبة افتتاح أسواق وصرافات آلية جديدة"، وفي عدد لا يحصى من الحانات، حيث كانت الاشتباكات بالأيدي، ومداهمات الشرطة شائعة. كان يدرك حدوده ("صوتي لن يفوز أبدًا بجوائز") ولكنه كان يعرف مواهبه وصقلها: كتابة الأغاني والأداء الحي. 

وضع قواعد حازمة لأعضاء الفرقة المتمردين والمدراء الجشعين، وقرر: "أنا المسؤول عن كل دولار إذا أمكنني كسبه". وبعد تمرين مديد وحياة تنتقل تضمنت محاولة فنية فاشلة في كاليفورنيا، تعاقدت معه شركة كولومبيا ريكوردز للتسجيلات الموسيقية. وصدر ألبوم "وُلد ليركض" ليصنع منه نجمًا. ثم سطع نجمه في سماء الغناء بالبوم "ولد في الولايات المتحدة". 

كان وليام وردزورث يعتقد أن أصل الشعر عاطفة تُستذكَر في هدوء. وهذا الشعار يصف مذكرات سبرنغستين وجاذبية أغانيه التي يرى العديد منها إلى صدمات الشباب من منظور ناضج، وفي نظر جمهور أكبر سنًا. كثيرون نضجوا كما نضج سبرنغستين نفسه، الذي ما زال يلاقي إقبالًا واسعًا في السابعة والستين بإحيائه حفلات تستمر ثلاث ساعات. وهو يقول عن احتراق مغني روك آخرين "إن الاعتزال بهالة من المجد هراء".  

لكن القصص التي ترويها أغانيه لم تهرم، بل على العكس، فإن موضوعته الكبرى هي "المسافة بين الحلم الأميركي والواقع الأميركي". وهو شاعر التصنيع، الذي تفكك، والأحلام التي قُتلت وعمليات الهروب المحبطة والناجحة والمصائر المتحكَّم بها والمصائر المقررة سلفًا، والمعامل المغلقة، مثل معمل إنتاج السجاد الذي اشتغل فيه والده ذات يوم في فريهولد، وهو مكان يتحدد في ذاكرة سبرنسغتين برائحة أفرانه الكريهة. ويغني سربنغستين متجاوزًا الزمن "ليس هناك الكثير من العمل أخيرًا"، وذلك في أنشودة "النهر" المهداة إلى مكابدات شقيقته "بسبب الاقتصاد".  

الانقسامات العرقية والطبقية التي تبدو اليوم شديدة الإلحاح تمزّق حياة شخصياته مع هذه الضائقة الاقتصادية ذات الحركة البطيئة. ويكتسي مشهد شبابه وموسيقاه تلك الدنيوية الغريبة التي يمكن أن يحتويها ضيق الأفق الأميركي بقوة: في الطوائف والقبائل التي كانت تظهر على شاطئ جيرسي، والجامحون من المقبولين للدراسة الجامعية الذين بصقوا عليه خلال حفلة أقامها على الشاطئ، وذوو الملابس الجلدية على طريقة فيلم Grease، كل أولئك البلطجية واللصوص، والاحتقانات الإثنية والاضطرابات العرقية. 

يكتب سبرنغستين في كتابه، كما في أغانيه أحيانًا، عن العرق، رغم أن تصريحاته الأعمق عن ذلك أُطلقت خلال بناء فرقته وشراكته مع كليرنس كليمونس، عازف الساكسفون الأسود، الذي رافقه زمنًا طويلًا في الفرقة، وعن العلاقات مع أعضاء فرقته تؤرَّخ، وكأنها حب أفلاطوني، وفي المقام الأول في صوته الذي يجمع بين الإيقاع والبلوز والموسيقى الروحانية والفولكلورية وموسيقى الروك. 

يكتب سبرنغستين أن الجمهور يحضر حفلات الروك "لتذكيرهم بشيء يعرفونه ويحسّونه أصلًا". وأن تكون المشكلات التي تواجهها أميركا قديمة، فهذا من علامات المواساة التذكيرية في ألبوماته وكتابه. 

لكن الأكثر من ذلك أنها تصوغ ردًا بديلًا، يتفهم فيه الجمهور من ذوي الياقات البيضاء، الذي كان سبرنغستين يستقطبه دائمًا هواجس ذوي الياقات الزرقاء ويكرّمونها، أولئك الملايين الذين يرددون "ثندر رود" Thunder Road رغم أنهم لم يروا في حياتهم هيكل شيفروليه محروقة. وهذا التحويل من الخاص إلى العام، ومن الخبرة إلى فن، إنما هو سحر يحوّل الاختلاف إلى رحمة. وذلك درس في التعاطف مع الفنانين من كل صنف، لا الفنانين فحسب. 


أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "إيكونوميست". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.economist.com/news/united-states/21707885-bruce-springsteen-bard-lost-american-dreams

* "وُلد ليركض"
Born to Run
(منشورات سايمون آند شوستر؛ 528 صفحة؛ 32.50 دولارًا و20 جنيهًا إسترلينيًا)

ولد بروس سبرنغستين ليركض

 

الكتاب التاسع: "لكنك لم تعد"
كانت مارسيلين لوريدان إيفانز في الخامسة عشرة عندما اعتقلها النازيون في إبريل 1944 مع والدها، وأرسلوها من فرنسا المحتلة إلى معسكر آوشفيتس بيركيناو، الذي اتخذته مارسيلين موطنًا لها، بخلاف والدها. 

في كتاب "لكنك لم تعد"، الذي ألّفته إيفانز، وترجمته ساندرا سميث، مذكرات إيفانز الاستثنائية، الجريئة والمؤثرة بعمق عن السنة التي أمضتها في بيركيناو، وتحريرها على يد الروس، وعودتها إلى وطنها فرنسا. تروي خبراتها بالتزام صارم بالتفاصيل، فهناك الحقيقة الجارحة المرّة عن عملها بالسخرة في المعسكر، حيث تقول: "صنعتُ الحفر التي ستُحرق فيها جثث 50 من الأقارب البعيدين من مدينة لودز". وهناك القصص المروّعة عن أطفال قُتلوا، وعنف همجي. لكن لا مكان للعواطف في نثر لوريدان إيفانز الأمين والواعي ذاتيًا. ذلك أن حقائق سجنها تتحدث بما يكفي من العاطفة. 

الكتاب أكثر كثيرًا من مذكرات عن المحرقة (هولوكوست). إنه رسالة حب إلى الأب الذي لم يعد قط: فهي تعلن "أحببتُك حتى إني كنتُ سعيدة بترحيلي معك". كما إنه صرخة تعبوية للتذكير والاعتراف، لإسماع صوتها والتعلم من خبراتها: "أعرف الآن أن معاداة السامية معطى داخلي... لكني لا أُريد أن أكون شخصًا بحاجة إلى حماية". 
 
حين وصلت إيفانز مع والدها إلى بولندا أول مرة أُرسلت إلى بيركيناو، وهو إلى أوشفيتس. "وربط التاريخ هذين المكانين لاحقًا بوصلة بسيطة. آوشفيتس ـ بيريكناو... الزمن يمحو ما كان يفصل بيننا، إنه يشوّه كل شيء"، كما تكتب.

كانت تستطيع إلقاء لمحة على معسكر اعتقال والدها من معسكرها: "بيننا، كان يقف اليقين الذي لا يُطاق بما كان يحدث لنا جميعًا". وبطريقة ما أقنع والدها كهربائيًا بأن ينقل إليها رسالة: "قصاصة ورق صغيرة ملطخة، أربع أو خمس جمل". وعلى الرغم من الأمل الذي جلبته هذه الرسالة معها في البداية، فإن لوريدان إيفانز ضيعتها في ما بعد، ولم تعد تتذكر ما جاء فيها: "أُحاول، لكن الأمر كالحفرة العميقة، وأنا لا أُريد السقوط فيها". 

الكتاب مسكون بعجز لوريدان إيفانز عن تذكر مضمون رسالة والدها، مثلما كانت المؤلفة مسكونة به طيلة هذه السنوات. لكن هذا النسيان يتجاور بروعة مع تصميمها على ألا تُقابل مذكراتها بالتجاهل. وعند عودتها إلى بلدها بعد الحرب، توعز إليها والدتها البعيدة عنها عاطفيًا، والتي أفلتت من الاعتقال: "عليكِ أن تنسي، لم تفهم من أين أنا عائدة، أو لم تكن تريد أن تفهم". 

تصبح لوريدان إيفانز في مرحلة لاحقة من حياتها سينمائية تسجيلية، وهناك إحساس بالهدف والتحدي في مهنتها المختارة: "أردتُ أن أصبح جزءًا من قصة أكبر من قصتي". تزوجت مرتين، الثانية بالسينمائي الهولندي يوريس إيفانز، الذي كان كبيرًا بما يكفي لأن يكون والدها، ولكنها لم تنجب أطفالًا بالمرة: "الأمومة لم تعد ذات معنى، فالأطفال كانوا أول مَنْ يُرسلون إلى غرفة الغاز". 

"لكنك لم تعد" قصة نجاة بلا منازع: "عندي قصة، نعم عندي. فأنا ناجية"، كما تقول. لكنها قصة تروي كيف تؤثر الصدمة عبر الأجيال. فشقيق لوريدان إيفانز الأصغر وشقيقتها الأكبر انتحرا في النهاية "بالكوكتيل نفسه" من الحبوب والكحول: "ضجرا من معسكرات الاعتقال، حتى من دون أن يكونا فيها". 

بين حين وآخر، يصدر كتاب يقول إنشروني واقرأوني وتحدثوا عني، كتاب عن الألم والمعاناة، عن القسوة والإنسانية، عن الحزن والحب. و"لكنك لم تعد" شهادة مكتوبة بأسلوب رائع ومترجمة ترجمة جميلة وأمينة، أمانة لا تتزعزع، إنه قصة يحسن بنا جميعًا ألا ننساها. 
 
أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "غارديان". الأصل منشور على الرابط الآتي:
https://www.theguardian.com/books/2016/feb/09/but-you-did-not-come-back-marceline-loridan-ivens-review


* "لكنك لم تعد"
But You Did Not Come Back
(منشورات أتلانتيك مانثلي برس؛ 112 صفحة؛ 22 دولارًا. منشورات فابر؛ 12.99  جنيهًا إسترلينيًا)

 

لكنك لم تعد


الكتاب العاشر: "حروب جوليا وورد هاو الأهلية"
كتبت ألين شوالتر سيرة حياة بهيجة عاشتها أكاديمية جرفتها الحماسة... امرأة أميركية في القرن التاسع عشر كتبت الشعر والمسرحيات، وصارت صوتًا عاليًا من أصوات القضية النسوية، وخصوصًا حق المرأة في التصويت.

كانت المُصلحة الاجتماعية الأميركية جوليا وورد هاو، صاحبة قصيدة "ترنيمة معركة الجمهورية" كثيرًا ما تُقارن في حياتها المديدة بالملكة فيكتوريا. وقيل إن هاو، التي ولدت بعد ثلاثة أيام على ميلاد الملكة، تشبه فيكتوريا بوقارها وشعرها الأشيب. لكن نقاط التلاقي بين هاتين الشخصيتين كانت أعمق كثيرًا من ذلك. وبعد عقود من تنظيم الاجتماعات وقيادة الاحتجاجات وترؤس اللجان، أصبحت هاو - كما يلاحظ صديق - "مؤسَّسة عزيزة". وما كانت امرأة أميركية أخرى قادرة على إدّعاء منزلة اجتماعية بقدسية منزلتها. 

كما تبيّن إيلين شوالتر في السيرة "حروب جوليا وورد هاو الأهلية" Julia Ward Howe’s Civil Wars (منشورات سايمون أند شوستر؛ 243 صفحة؛ 28 دولارًا) التي كتبتها بأسلوب جميل، فإن هذه الشخصية العامة صُنعت في حمأة الإحباط الخاص والحزن والخيبة. 

فالمرأة التي كتبت النشيد العظيم لقضية الاتحاد الفيدرالي الأميركي كانت في حياتها الخاصة حبيسة اتحاد خطير على امتداد عقود، وهو ما تسميه شوالتر "معركة منزلية مديدة حول الجنس والمال والاستقلال والسياسة والقوة"، إذ كانت جوليا وورد ابنة مصرفي من كبار مصرفيي نيويورك، وهو شخصية متسلطة، متدينة بتزمت، وفر لها خيرة الأساتذة الذين يمكن أن يوظفهم بماله، لكنه أبقاها رهينة تحت رقابة عينيه اليقظتين على الرغم من حبه لها. ولم تكن هذه خبرة جوليا الأخيرة مع متجبر بطريركي. 

بعد وفاة والدها في أثناء رحلة إلى بوسطن، التقت بصاموئيل غريدلي هاو، الذي كان  يكبرها بنحو 18 عامًا، وكان رئيس معهد بيركنز للمكفوفين وأحد المحسنين الكبار في عصره؛ شخصية تتفجر حيوية، نال شهرة بفضل خدمته طبيبًا شابًا مع اليونانيين في نضالهم من أجل الاستقلال ضد العثمانيين. جمع صاموئيل الأفكار الإصلاحية التقدمية - أصبح داعية متحمسًا لإلغاء العبودية  - والمواقف المحافظة بشدة تجاه مسؤوليات المرأة المنزلية.

تكتب شوالتر: "كانت جوليا تأمل في عقد شراكة تقدمية بين ندين، يحب أحدهما الآخر، فيما كان شيف (لقب صاموئيل) يأمل برباط تقليدي بين زوج متسلط حمائي وزوجة خانعة محمية". 

أدركت جوليا بعد فترة وجيزة على خطوبتهما أن زواجها يعني التخلي عن الكثير من نشاطاتها الخلاقة والفكرية. وربما لهذا السبب قررت، في خطوة صغيرة لإثبات وجودها، أن تتمرد على الأعراف، وتسمّي نفسها مسز جوليا وورد هاو بدلًا من مسز صاموئيل غريدلي هاو.
 
لم يكن شهر العسل سعيدًا. خلاله، كتبت جوليا قصائد تضمنت أبيات تنذر بالشؤم، مثل "مات الأمل حين قادوني إلى فراش الزوجية". وسرعان ما انفجرت الخلافات بين الزوجين في العلن. 
 
أحاط صاموئيل نفسه بعدد من كبار الشخصيات العامة في بوسطن، فكان رجل الدولة تشارلس سامنر أقرب اصدقائه، وكانت جوليا تمازح زوجها، بالقول إنه كان يجب أن يتزوج بسامنر بدلًا منها. لكن صاموئيل لم يكن يريد الزواج بامرأة معروفة اجتماعيًا، وكان يستهين بجهودها الأدبية، ويزدري اهتماماتها الدينية والسياسية، ويصفها بأنها اهتمامات نرجسية، ولا يشجّعها على إلقاء الخُطب العامة. كما بدد إرثها، ويُرجّح أنه أقام علاقة واحدة في الأقل مع امرأة أخرى. ولم يشترك الاثنان إلا بلحظات قليلة من الحنان الحقيقي أو الحميمية الحقيقية. 

قبلت هاو بمسؤوليات الأمومة، ولو بعد تردد، فأنجبت ستة أطفال. وكتبت إلى شقيقتها، ناصحة بتأجيل الأمومة: "إنها لبركة أن تكون المرأة أُمًا، لكن ثمة حدود لكل شيء، وما من امرأة ملزَمة بالتضحية بوجودها كله لمجرد تربية أطفال في العالم". شعرت هاو بأنها واقعة في مصيدة، ولم يكن هناك فضاء يُذكر تنزوي إليه. 

ردًا على ذلك، كانت هاو تتصرف برعونة، كما تعترف كاتبة سيرتها شوالتر، لكنها لم تشك قط بمواهبها، بل وظفت وجودها في البيت لتنمية هذه المواهب. 

تروي مجموعتها الشعرية الأولى "عاطفة - زهور" (نُشرت في عام 1853 تحت غلالة اسم مستعار لا يخفي اسمها الحقيقي) تفاصيل إحباطاتها بالحياة الزوجية والمنزلية. أثار الكتاب ضجة في بوسطن الهادئة المحترمة. وحمل هوثورن على هاو لأنها "جاهرت بما يجب أن تحتفظ به لنفسها". وشعر زوجها "شيف" بالمهانة، وهدد بالطلاق.  

كان تأليف "ترنيمة معركة الجمهورية" في عام 1861 هو ما ساعدها على نيل قدر من الاستقلال عن صاموئيل. وأشَّرت القصيدة التي كُتبت لكي تُغنى على إيقاع نشيد جون براون، المناضل من أجل إلغاء العبودية، ذروة المكانة الأدبية التي بلغتها هاو. 

ساءها ألا يحظى أي شيء كتبته بعد ذلك باهتمام يُذكر. وأسفر ارتباط اسمها بالترنيمة عن تحولها إلى ضامنة مهمة الاتحاد الفيدرالي المقدسة إلهيًا، بل تحوّلها إلى نبيّة رأت مجد مجيء الرب. 

بعد الحرب الأهلية، ألقت هاو القصيدة في فاعليات تذكارية، لا تُحصى، وطُلب منها أن تضفي هيبتها الألفية على قضايا إصلاحية مختلفة. وأتاحت وفاة صاموئيل في عام 1876 فرصة لازدهار هويتها الشعبية. وعاشت هاو حياتها أرملة أكثر مما عاشتها زوجة. 
نذرت نفسها لسلسلة من القضايا، لا سيما حقوق المرأة، وفي أواخر الثمانينات من العمر شرعت في تنفيذ برنامج من الفعاليات العامة كان سيرهق امرأة بنصف عمرها.

لا تكشف شوالتر جديدًا في "حروب جوليا وورد هاو الأهلية"، وليس في كتابها اكتشافات كبيرة تُضاف إلى ما قاله كتاب سيرة هاو السابقون. كما لا تستطلع بالكامل حياة هاو الفكرية. وعلى الرغم من أن هاو نفسها شَكَت من أن العالم "أهمل بعض كتاباتي الشعرية والنثرية الجيدة"، فإن شوالتر تبدي قدرًا كبيرًا من ضبط النفس في التعامل مع شهرتها كناقدة أدبية. وهي لا تقدم إلا القليل من القراءات المتمعنة لأعمال هاو، ولكنها مأخوذة إلى أقصى الحدود بمخطوطة ناقصة غير منشورة عُثر عليها بين أوراق هاو، وهي سرد مذهل وصريح جنسيًا بطلته خنثى.  

يبقى القارئ في حيرة من أمره إزاء إنجازات جوليا وورد هاو الأدبية وقيمتها. فهي تظهر بكل وضوح صانعة هويتها الذاتية كأم وزوجة ومواطنة.

وكانت هاو سترضى على الأرجح بهذا التكريم. وتنهي شوالتر كتابها بسطر كتبته هاو في يومياتها قبل سنوات قليلة على وفاتها في عام 1910: "لا أرغب في قداسة وَجْديّة بلا جسد... بل أن أكون إنسانة وأميركية وامرأة". 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "وول ستريت جورنال". الأصل منشور على الرابط الآتي:
http://www.wsj.com/articles/her-eyes-had-seen-the-glory-1460319550

* "حروب جوليا وورد هاو الأهلية"
Julia Ward Howe’s Civil Wars
(منشورات سايمون أند شوستر؛ 243 صفحة؛ 28 دولارًا)
 

حروب جوليا هاو الأهلية

 

الكتاب الحادي عشر: "فارس غريب: حياة ستيفن رونسيمان البيزنطية"
يكتب مينو دينشو سيرة ستيفين رونسيمان، الذي اقتنع قبيل وفاته عن عمر يناهز السابعة والتسعين في عام 2000، أنه كان من بقايا العصر الماضي، كما كان تجسيدًا لعصر شبه أسطوري. إنها حياة ملونة لمؤرخ بريطاني شهره عمله على الحروب الصليبية بقلم مؤلف شاب واعد. 

ولو لم يكن ستيفن رونسيمان موجودًا لاخترعه أحدهم... ربما تكون الكاتبة إيفلين ووغ. فإن هذا المؤرخ للإمبراطورية البيزنطية والإقطاعي الملاك في أرخبيل هيبرديان البريطاني، والرحالة الذي طاف بلاد الشام التاريخية، والجاسوس وسيد المجتمع في منطقة مايفير، والراوية الكبير للحروب الصليبية عاش حياة زيليغ ابن النخبة الحاكمة [زيليغ هو بطل الفيلم الذي أخرجه وكتبه وودي آلن وقام فيه بدور زيليغ، وهو شخص نال صيتًا سيئًا لقدرته على أن يبدو ويتصرف كأي شخص يلتقيه]. فمن الحرب العالمية الأولى إلى نهاية القرن العشرين، كان رونسيمان يعرف الجميع، وبدا أنه يعرف كل شيء، وكان محط الإعجاب في كل حفلة كوكتيل تستحق حضوره فيها، من بوخارست إلى بلومزبيري. 

هذا المؤرخ المغمور المعرَّض دائمًا لقدر طفيف من التشنيع هو الموضوع الذي اختاره مينو دينشو باستلهام. فحياة رونسيمان الذهبية السهلة تروي قصة الطبقة الحاكمة في انكلترا خلال القرن الذي كُتب فيه تاريخ العالم الحديث بالبوارج الحربية. 

وبدلًا من أن يكتب دينشو سيرة حياة موضوعية، كتب سيرة حياة غنية ومسلية، مكتظة بالأشخاص، كعمل أنتوني بأول "رقصة على موسيقى الزمن". وهو محظوظ لأن رونسيمان التقى كثيرين ممن صنعوا إنكلترا في زمن ووغ وباول، وفي أوضاع جديرة بأن تُنسب إلى الكاتب بي. جي. وودهاوس أيضًا.

فرونسيمان مارس سحر التخييل مع جورج أورويل في مدرسة إيتون، وتعلم على يد ألدوس هكسلي، واستمع إلى اللورد غراي، يُلقي عليه قصيدة وليام ووردزورث "المقدمة"، وكان أستاذ الفاسق غاي بيرجس في كامبردج، ورفيق جون مينارد كينز وسيرغي دياغليف على مائدة الطعام، ونديم الملكة الأم المحبوب حين تتناول الشاي. 

يقدم كتاب "فارس غريب: حياة ستيفن رونسيمان البيزنطية" Outlandish Knight: The Byzantine Life of Steven Runciman (منشورات ألين لين؛ 767 صفحة؛ 30  جنيهًا إسترلينيًا) عائلة إدواردية منحت نفسها للصغائر مع انحطاط المؤسسات الإمبراطورية. وأن نقرأ عن انكليزي غريب الأطوار بين حربين مثل رونسيمان يعني أن نرى الحلقة الفقودة بين استكشافات ليفنغستون وعبث تشاتوين. 

ما بين لقاء أتاتورك والارتقاء إلى فلكي البلاط في اليونان، والانتماء إلى طائفة الدراويش وامتلاك ضيعة آيغ، أصبح رونسيمان أستاذًا من أساتذة النثر. وفي ذروة نثر رونسيمان، دمج كلماته بخطابية مصادره المبهمة، مانحًا كتبه إيقاع المخطوطات ونكهة قصص الجن. وهذه الموسيقى هي التي تجعل كتابه "تاريخ الحروب الصليبية" عملًا فذًا. 

عاش رونسيمان القرن كله بولادته في عام 1903 ووفاته في عام 2000. وعندما وقعت بلغاريا الملكية التي حكمها آل ساكس - كوبورغ وغوتا تحت سيطرة الستالينية، اختبأ رونسيمان في "تاريخ الحروب الصليبية" الذي كتبه بثلاثة أجزاء، ليقلب قرونًا من التحيز الانكليزي رأسًا على عقب: فريتشارد قلب الأسد وفرسان المائدة المستديرة كانوا في الحقيقة آخر الغزاة البرابرة. وكتب رونسيمان في عام 1954، بعد سنة على وفاة ستالين: "لم تكن هناك جريمة بحق الإنسانية أكبر من الحملة الصليبية الرابعة". 

كان رونسيمان مفعمًا بالتعاطف مع أباطرة البلغار وأساقفة فاريوت وحكام بيزنطيا المستبدين، الأمر الذي أثرى كتاباته التاريخية. لكن هذا التعاطف لم يشمل اليهود. فآل رونسيمان كانوا أسرة معادية للسامية. وكما يلاحظ دينشو، فإن مراسلات والدَي رونسيمان اللذين كانا نائبين مخضرمين في حزب الأحرار من دون أي تمييز، مزدانة بمثل هذا العداء.

بقي رونسيمان نفسه وفيًا لهذا التقليد. وعلى امتداد حياته، كانت فيه جذوة مشتعلة من العداء للسامية، سواء في التقليل من مجازر فرسانه الصليبيين، أو بالكتابة: "إن الخلل الأساسي في هذا العرق هو غياب الشجاعة الأخلاقية". 

وعلى غرار كثيرين يعيشون مما وورثوه، كان رونسيمان أخرقًا بعض الشيء، يتلمظ على أوراق الحظ أو يرمي حلقات مسكونة في البحر أو يتحوط من ظهور شبح دب بايرون في باحات كلية ترينتي في كامبردج ليلًا. وكان المعروف بلسانه السليط والببغاء الذي يحتفظ به مهووسًا بالبيزنطيين في كامبردج إبان الثلاثينات عندما صعد هتلر إلى السلطة.

يكتب دينشو بطرافة وأناقة، ويستحضر أشد المقاطع مديحًا في "فارس غريب الأطوار" مجتمعًا وطريقة حياة مفقودين في لندن. ولو عاش رونسيمان اليوم، لسكن في منزل متواضع بغرفتين في الطبقة الأرضية، وغرفتي نوم في الطبقة العلوية في منطقة فولهام، وذلك في أحسن الأحوال. ولكان يخضع للتفتيش عند هبوطه في مطار بن غوريون، ويُقابل بالتجاهل في أثينا في عهد سيبراس، ولما كان سيتنقل من مكان إلى آخر في الشرق الأوسط منقبًا الخرائب الصليبية التي يسيطر داعش على الكثير منها اليوم. 

لهذه السيرة الآخاذة عيوبها، إذ يعاني الكاتب من نزعة "العملقة" مدرِجًا كل حقيقة عن رونسيمان إلى حد طمس الحقائق الأساسية. لكن نقدي الرئيس لكتاب دينشو مماثل للنقد الذي وجّهه ووغ إلى كتاب "عودة إلى برايدزهيد" بعد الحرب، وهو أنه مشبع بذلك "النوع من النهم" لروائع الماضي القريب، وهو حنين جذوره في نهاية المطاف في زمنه هو. 

أعدت "إيلاف" هذه المادة بتصرف عن "فايننشيال تايمز". الأصل منشور على الرابط الآتي:
https://www.ft.com/content/263bead8-96ac-11e6-a1dc-bdf38d484582
 

* "فارس غريب: حياة ستيفن رونسيمان البيزنطية"
Outlandish Knight: The Byzantine Life of Steven Runciman
(منشورات ألين لين؛ 767 صفحة؛ 30  جنيهًا إسترلينيًا)

 

 حياة ستيفن رونسيمان البيزنطية



 


في ثقافات