GMT 0:00 2018 الجمعة 23 مارس GMT 2:56 2018 الجمعة 23 مارس :آخر تحديث

عن الحلم السوري المهزوم

الحياة اللندنية

سمير الزبن

في الأوقات العصيبة والحروب من أقساها، يسير الوقت بأسرع من قدرتك على التعلم منه، تتغير طبيعة الوقت وتصبح الأيام أطول بما لا يقاس من تجربة الإنسان السابقة، ليست أطول بالساعات، أنما أطول بعمق التجربة الإنسانية واتساعها التي تندرج في الأزمان الكارثية التي تدخل البشر في تيه وضياع لا ينتهي. لا أجانب الصواب إذا قلت إن السنوات السبع الأخيرة من حياتي في ظل الجحيم السوري، داخل سورية وخارجها، تفوق في زخمها وكثافتها التاريخية، كل تجربتي الحياتية السابقة، أدخلتني في تيه وانتقالات وتحولات، لم أكن أتخيلها في أصعب كوابيسي. في التجربة السورية الراهنة فائض من التراجيديا لا يمكن للكتابة، أي كتابة، أن تحيط بأبعاده كاملة وان تتمثله وتعبر عن عمقه الإنساني، خاصة وأن التجربة ما زالت مستمرة، ولم تصل إلى نهايتها، ليمكن تأملها وتقييمها، هناك شيء «قيامي» جرى ويجري في سورية.

كان للحناجر التي كسرت «مملكة الصمت» الأسدية في آذار (مارس) 2011 وقع السحر، شيء لا يصدق يجري في سوية، هناك حناجر تيبست حبالها الصوتية، بفعل القمع الوحشي للأسد الأب الذي استأصل السياسة فعلياً من سوية، بتحطيمه حياة كل من اقترب منها معارضاً لحكمه. ظهرت الأصوات الأولى المطالبة بالحرية وكأنها هابطة من السماء، نجوم تتلألأ في سماء سورية التي طال ليلها. نحن الجيل الذي عاش وشب مع تجربة الرعب في الثمانينات كنا فرحين بجيل جديد، جاء من العدم، لا ليهز الساحة السياسية فحسب، بل، ليهز البلد والنظام بكل قوة أيضاً. جيل جاء متحرراً من كل المخاوف السياسية التي عانى منها العاملون في ساحة سياسية عقيمة، قانونها: إما تخضع لشروط الأسد التي تعدم السياسة، أو يكون مصيرك كمختلف مع النظام، السجن لسنوات طويلة خلف أرقام لا تُبقي من إنسانيتك أي شيء. حرك وعد الحرية كل الأحلام التي انتظرت طويلاً في سورية، لدرجة شعر فيها جيلي، أنها ستنتظر إلى الأبد، وأن خلاص البلد من نظام أمني، مخابراتي، عصاباتي، حلم لا يمكن تحقيقه في ظل نظام ممسك بتلابيب ومفاصل البلد.

لم يعش الشباب السوري الذي صرخ بالحرية تجربة الرعب في الثمانينات، كانوا متحررين منها، وكانوا متحررين من تجربة سياسية بائسة للمعارضة، على رغم بطوليتها. بمعنى آخر كانوا متحررين من القيود التي فرضها نظام استئثاري على الساحة السياسية السورية. مع الإطاحة بالرئيسين التونسي والمصري، بدا كل شيء ممكناً في سورية.

كان للنظام إستراتيجية أخرى بالتعامل مع الاحتجاجات الشعبية، لم تكن السياسة جزءاً منها، أعاد إنتاج قديمه بتعميم مجزرة حماة في شباط (فبراير) 1982 على كل البلد، وهو تدمير البيئة الحاضنة للاحتجاجات على النظام، باعتبارها جزءاً من «مؤامرة كونية» على نظامه الوطني. فأطلق العنان لآلة القتل خاصته، بإشراف أسوأ رجال الأمن في نظامه وأكثرهم إجراماً. كانت الإستراتيجية الوحيدة للنظام تحويل حلم السوريين بالحرية إلى كابوس.

كان من الطبيعي في مثل هكذا وضع، أن يشعر كل سوري أن الموت والقهر يلاحقه في كل مكان، يلاحقه بالبراميل والقذائف التي تسقط على رأسه، تلاحقه بالاعتقال على الحواجز، تلاحقه بعصابات المطالبة بالفدية، تلاحقه في الأماكن التي تسيطر عليها القوى الظلامية... السوري المحاصر وجد الفرار الخيار الوحيد أمامه، لم يكن هذا القرار سهلاً، فهو في كثير من الأحيان عادل الموت الذي هرب منه. ومثل كل الفارين وجدت نفسي، أغادر البلد، أو بالأصح أهرب منها، ولأن بقايا الحلم كانت لا تزال تعمل، كان الهروب إلى مكان قريب، وكانت هناك قناعة عند الكثيرين، بأن النظام راحل بعد فترة وإن طالت، لكن هذه الفترة طالت أكثر من توقع أكثر السوداويين. حتى النظام نفسه الذي رفع من البداية شعار «الأسد أو نحرق البلد» وجد نفسه يحرق البلد ويبقى جاثم على صدرها من دون سقوط، وكأن ثمن سقوطه أغلى من أن يدمر البلد وحده، كما أراد لنفسه.

شلل العالم وخذلانه للسوريين جعل النظام يشعر بأنه باق، واليوم لديه الشعور بالنصر، وشعور بالهزيمة عند من حلموا بحرية سورية المقبلة، فوجدوا أن الظلام يزداد حلكة، وأن البلد لم تعد بلدهم، وأنه لا بد من هجرة أخرى، تذهب بهم أبعد عن الوطن الذي تحول إلى دمار مظلم والعيش فيه تحول إلى كابوس مرعب، فكانت أمواج الهجرة التي عملت أوروبا على وقفها باتفاقات عار مع تركيا، وببناء جدار عازل في وجه اللاجئين في وسط أوروبا. وهؤلاء على رغم معاناتهم المحظوظون بالنجاة من أدوات القتل الأسدية، أما أغلبية السوريين بقوا هناك ضحايا يعانون الأمرين تحت براميل الأسد المتفجرة، حيث تتوغل آله القتل الأسدية في دمهم أكثر فأكثر.

لم يعد البلد هو البلد، ولم يعد السوريون هم السوريين الذين أطلقوا حلم حريتهم، الذي تحول إلى كابوس، وهذا الكابوس، ذهب بهم إلى «التيه» الذي وزعهم على العالم، وكانت هجرة أخرى إلى منافٍ جديدة.

نعم، يمكن هزيمة الأحلام، هذا هو الدرس الأقسى في التجربة السورية، وهو الدرس الذي جعلنا نذهب إلى منافٍ تحولنا بدورها إلى نكرات في مجتمعات نحن غرباء فيها.


* كاتب فلسطيني


في جريدة الجرائد