: آخر تحديث

الدور القطري الخفي في القرن الأفريقي

  سالم سالمين النعيمي

تركيا التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة ونقص في السيولة المالية تتفق مع السودان بإنشاء مدينة مينائية، وبناء رصيف بحري متطور للحفاظ على السفن المدنية والعسكرية على ساحل البحر الأحمر في البلاد الأفريقية. ولتركيا أيضاً قاعدة تدريب في الصومال، وتناقش إنشاء قاعدة في جيبوتي، حيث تعتبر جيبوتي جنة القواعد العسكرية، ويعتبرها البعض «عشاً للجواسيس» في القرن الأفريقي، الذي يعد مرتعاً رئيسياً للتنظيمات الإرهابية والجرائم العابرة للحدود والجريمة المنظمة، بما في ذلك القرصنة والاتجار بالبشر وغسيل الأموال.
ومن جهة أخرى، يتألف القرن الأفريقي من ثماني دول من بينها جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان والسودان وأوغندا. والقرن الأفريقي هو واحد من أكثر المناطق المهمة من الناحية الاستراتيجية في العالم بسبب موقعه على طول ممر باب المندب الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر. ومن منظور أوسع، يمكن للمرء أن يستنتج أن المنطقة تستضيف بشكل استراتيجي واحدة من اثنتين من نقاط المرور التي تربط أوروبا مع جنوب وجنوب شرق آسيا، كما أن كل التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأوراسيا تمر عبر باب المندب. ولذلك، الهيمنة على ذلك الطريق البحري أمر حيوي لجميع القوى الكبرى، وعليه فقد سارعت معظم القوى البحرية إلى المنطقة خلال العقد المنصرم بداعي محاربة القرصنة والإرهاب. 


ولهذه الأهمية كانت حكومة قطر نشطة في تقديم خدمات الوساطة في نزاعات في تلك المنطقة، ووضع موضع قدم لها عن طريق دعم القوى السياسية والشخصيات الأكثر تأثيراً ونفوذاً، والعمل على إنشاء وإدارة المشاريع المختلفة ولعب دور الوسيط بين دول المنطقة على قرار الوساطة القطرية في عام 2010 بين إريتريا وجيبوتي. والملفت للنظر أن جيبوتي وإريتريا انضمتا لدول التحالف العربي في قطع علاقاتهما الدبلوماسية مع قطر، وبدورها انتقمت قطر من ذلك الموقف بتمويل الصراعات ودعم الميليشيات المسلحة الانشقاقية ودعم التنظيمات الإرهابية، ولعب الريال القطري دوراً حيوياً في تأجيج الصراع بين جيبوتي وإريتريا بعد أن سحبت قطر قواتها من على حدود جيبوتي وإريتريا بشكل مفاجئ بغرض نشر الفوضى والخراب. 
ولا غرابة أن تجد لقطر يداً خفية في تنفيذ أجندات خارجية للنيل من مراكز القوى في الوطن العربي أينما ذكر خلاف بين دولتين عربيتين يمثلان ثقلاً سياسياً وعسكرياً، كالخلاف الحدودي بين مصر والسودان، أو العمل على النيل من نجاحات الدول التي تعد نموذجاً اقتصادياً ناجحاً في المنطقة. والدور الخفي لقطر في دفع جيبوتي نحو إلغاء عقد امتياز مجموعة موانئ دبي العالمية المخوّل لها تشغيل محطة الحاويات في ميناء «دورالي» الجيبوتي مدة 50 عاماً ومنح الامتياز للصين. كما لعبت قطر دوراً بارزاً في شراء السياسيين وتحريك المياه الراكدة في إثيوبيا، حيث قد عبّر في وقت ماض رئيس الوزراء الإثيوبي عن قلق بلاده، وأبلغ البرلمان في خطاب أذيع على الهواء مباشرة أن أزمة الخليج «يجب أن تحل على وجه السرعة»، أو يمكن أن «تزعزع استقرار» المنطقة برمتها. 


وبدعم خارجي اتخذت الحكومة الإثيوبية سلسلة من الخطوات العسكرية، كأن يغزو الجيش الإثيوبي في عام 2006 الصومال لإزالة سلطة «اتحاد المحاكم الإسلامية» الذي حكم معظم البلاد في ذلك الوقت، وقام بوضع الحكومة الاتحادية الانتقالية، والتي تسيطر عليها حركة «الإصلاح» الإخوانية بفرعها المنشق في مقديشو، وهي حركة «إخوانية» مستقلة (الدم الجديد). ولا يزال الجيش الإثيوبي نشيطاً في المنطقة اليوم، حيث تساهم أديس أبابا بقوات وموارد لبعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، في محاربة مقاتلي «حركة الشباب» لتمكين فصيل إسلامي معين بدعم من قطر. كما أطلقت إثيوبيا هجوماً شاملاً للسيطرة على حصة كبيرة من الموانئ الرئيسية على طول ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي في الماضي القريب، وقد حصل بموجبه الإثيوبيون على 30 في المائة من ميناء بربرة في «أرض الصومال»، وتوصّلت إثيوبيا إلى اتفاق مع جيبوتي للسيطرة جزئياً على ميناء «دورالي». كما أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي محادثات مع الرئيس السوداني عمر البشير للمطالبة بحصة غير محددة من بور سودان، إلى جانب أنها وقعت مع كينيا اتفاقاً تستثمر بموجبه أديس أبابا في ميناء «لامو» الكيني في المحيط الهندي. ومع كل هذا التوسع الإثيوبي لابد من وجود قوى مالية كبيرة تقف خلفه لسبب أو لآخر.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد