: آخر تحديث

العلمانية والليبرالية بين الحقيقة والتشويه

 يعاني الكثير من الناس في العالمين العربي والاسلامي من إشكالية في تعريف بعض المصطلحات الفكرية والفلسفية التي لا يعود أصلها الى الفكر العربي او الإسلامي، حيث يعمد بعض الكتاب ودعاة الفكر المعادين للحداثة والإصلاح الى تشويه هذه المصطلحات وتحريف معانيها ومقاصدها. ومن هذه المصطلحات التي يتم تشويه مفهومها لخدمة مصالح واهواء فئات في المجتمعات العربية والإسلامية مصطلحا "العلمانية والليبرالية". فالعلمانية تعرف على انها دعوة الى الالحاد وإلغاء الأديان، اما الليبرالية فتعرف على انها دعوة الى الحرية المطلقة والتحلل الأخلاقي. وفي هذه المقالة سوف نعرض بإيجاز مفهومي "العلمانية والليبرالية" في سياقهما الفلسفي والفكري والعملي.

مفهوم العلمانية: العلمانية كلمة يعود أصلها الى اللاتينية وهي مأخوذة من كلمة (سيكيوليرزم) وتعني الدنيا او الدنيوية واللادينية. وهي تعبير عن: رؤية بشرية لإدارة شؤون الحياة كافة بعيدا عن تأثير وسطوة رجال الدين، وينتج عنها منظومة من التشريعات السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها، تستند الى الفكر الإنساني بعيدا عن الغيبيات والخرافات. وقد نشأ هذا المصطلح في الدول الغربية نتيجة الصراع مع الكنيسة، حيث كانت الدول الغربية لقرون عدة وحتى نهاية القرن الثامن عشر محكومة بسلطة رجال الدين الذين كانوا يدعون انهم يمثلون الله في الأرض. 

وعندما ظهرت بعض التطورات العلمية والنظريات المرتبطة بالأجرام والكواكب وحركة الأرض التي اعتبرها رجال الدين وقتها مخالفة لتعاليم الكنيسة وتدخلا في شؤون القدرة الإلهية، فعمدوا الى قتل وحرق العلماء الذين قالوا بهذه النظريات العلمية، صدرت دعوات تطالب بالتنوير والحداثة  وإعمال العقل، ورفض التسلط الديني وضرورة فصل الدين عن شؤون الحياة الدنيوية (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، واهمية إيكال الأمر الى سلطة مدنية من الرجال فهم ادرى واعلم بشؤون الحياة، ولديهم القدرات والتخصصات العلمية التي تمكنهم من التشريع ووضع الخطط العلمية المناسبة لإدارة البلاد وشؤون العباد.

مفهوم الليبرالية: الليبرالية مصطلح فلسفي يقر بأن الحرية هي القيمة الأولى في سلم القيم الإنسانية، ولهذا فالليبرالية تدعو الى حرية الفكر والمعتقد، واقتصاد السوق والحد من سلطة الدولة، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية، والتداولالسلمي للسلطة والحفاظ على حقوق الأقليات. مصطلح الليبرالية (كما العلمانية) غربي الولادة والمنشأ، لكنه أصبح لاحقا مفهوما عالميا تأخذ وتعمل به الدول المتقدمة وتلك السائرة في طريق التقدم. ومن الناحية التاريخية فإن الليبرالية مفهوم حديث نسبيا، إلا ان مبادئه الأساسية وهي الحريات العامة والخاصة قديمة قدم الفكر البشري نادت بها الأديان والمدارس الفكرية.

ولعل ما يمكن ذكره في هذا السياق أطروحات فلاسفة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، فهذا "بركليس" الذي دعا الى مساواة جميع المواطنين امام القانون، و "بروثاغوراس" الذي جعل الفرد مقياسا لكل شيء، ومثله "ديمقريطس" الذي اعتبر الانسان هو صانع القوانين والمؤسسات، وآخرهم "سقراط" داعية الحرية وقدرة العقل وحقه في نقد جميع المعتقدات والأفكار. والإسلام في اطاره العام حث على العدل وحرية الفكر والمعتقد. قال تعالى في كتابه المجيد: "وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا". وقال: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. وقال: " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

ما يثار في العالمين العربي والإسلامي من جدل فكري حول مصطلحي "العلمانية والليبرالية" لا يمت بصلة الى حقيقة مفهوميهما الفكري والفلسفي، فالقول ان العلمانية تدعو الى الالحاد وإلغاء الأديان غير صحيح على الاطلاق. فالدول الغربية والولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول الديمقراطية الحقة التي تعتبر العلمانية من ثوابت وجودها وكينونتها، تقر ان حرية الدين والمعتقد من الحريات الشخصية التي كفلتها دساتيرها، وتعمل حكومات هذه الدول على توفير أماكن العبادة لمعتنقي كل الأديان من مواطنيها وكذلك المقيمين على أراضيها من الدول الأخرى، وتؤمن لهم الأجواء السليمة والمناسبة لتمكينهم من ممارسة وأداء شعائرهم الدينية ضمن القوانين المرعية التي تحفظ حقوق الجميع. ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بأذاننا كيف ان المسلمين يمارسون شعائرهم الدينية بحرية، وينجزون ما يتعلق بشؤون أحوالهم الشخصية من أمور الزواج وغيره، ويعبرون عن آرائهم وافكارهم في هذه الدول بحرية تفوق بدرجات كبيرة ما يتمتع به كثير من المسلمين في بلدانهم الاصلية.

أما الاتهام الموجه الى الليبرالية بأنها تعني النزوع الى الحرية المطلقة، وانها دعوة الى التمرد والتحلل الأخلاقي ورفض كل اشكال السلطة وقيودها فهذا قول مغلوط ولا أساس له، فاكثر المفكرين الليبراليين لا يقرون بوجود حرية مطلقة، بل في فكرهم ومعتقدهم ان حرية الفرد تنتهي عندما تتجاوز حرية الآخرين، أي ان الحرية الفردية مقيدة بعدم التجاوز او الاعتداء على حرية وحقوق الآخرين، والحرية في إطارها العام يحكمها وينظمها القانون.

في اعتقادي الشخصي، ان من يعمل على تشويه مصطلحي "العلمانية والليبرالية" في العالمين العربي والإسلامي هما فئتان: الأولى التي لا تؤمن بالتعددية وقبول الاختلاف، اتخذت من الدين الإسلامي وسيلة للسيطرة على عقول وقلوب البسطاء من الناس. والثانية هي أصحاب المصالح الشخصية المتضررة من عملية التطور والتي لا تؤمن بالديمقراطية والعدالة والمشاركة وسيادة القانون. 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 4
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. أسلمة الحداثة أو تحديث الاسلام مشروع فاشل
فول على طول - GMT الأحد 29 يوليو 2018 08:18
أسلمة الحداثة أو تحديث الاسلام بما يناسب العصر هو مشروع فاشل . الاسلام فاقد الصلاحية منذ بدايتة وأهل العلم من الذين أمنوا يعرفون ذلك ولكن لا يستطيعون قول الحق بل يدغدغون مشاعر المشعوذين بأن الاسلام صالح لكل زمان ومكان ..ولذلك لجأوا الى شيطنة الحداثة مثل الليبرالية وحقوق الانسان والعلمانية ووصفها بأوصاف غير حقيقية مثل الشذوذ والاباحية والالحاد والكفر الخ الخ . المشعوذون يشتمون الغرب ويموتون غرقا على شواطئة ..يؤمنون بجناح الذباب ويطيرون على جناح الطائرة للعلاج فى بلاد الكفار ..ينادون ببول البعير وحبة البركة للعلاج ولكن هم يذهبون للعلاج عند الكفار ....يلعنون من يتشبة بالكفار وفى الوقت نفسة ينعمون بكل اختراعات الكفار ...ونكتفى بذلك . ربنا يشفيكم .
2. لا لعبادة الأسماء
اقتصادي - GMT الأحد 29 يوليو 2018 09:18
العلمانية والليبرالية هي مصطلحات حمالة أوجه حسب التعبير التراثي العربي، أو مفاهيم خلافية بالضرورة بالتعبير الفلسفي الغربي الحديث، والخير فيهما مسبوق وموجود في الاسلام.
3. كغي وكيف لا بالحدية الشريف
الطيب الجامعي - GMT الإثنين 30 يوليو 2018 02:31
علي علماء الفقه الدين يحسيون أنفسهم حماة الدين ويتجرئون أن ينصبوا أنفسهم محاموا الله والله في غني عن مرافعتهم علي هؤلاء أن يتدكروا الحديت النبوى الشريف الصحيح الدي قاله صلي إنكم أدري بشؤون دنياكم ,,,,,,,,وكفي به حجة علي المهريجين الغلاة,,,,,,,,,,,,,
4. .................
طه - GMT الثلاثاء 31 يوليو 2018 03:34
إذاً ماذا نسمي هذا الذي يجري في الدول الديمقراطية الحقة كما يصفها كاتبنا .. ماذا نسمي اضطهاد المحجبات ولاسيما المنتقبات وماذا نسمي النظر بعين الريبة والشك لكل من أطال لحيته لدرجة أنه في بعض الأحيان يُنزل من مقعد طائرته عنوة .. يبدو أن القشور والمظاهر الزائفة للديمقراطيات الغربية هي التي تعمينا فتجعلنا ننطق بغير الحق .. الديمقراطية الحقة من أراد أن يتعرف عليها يجدها في ثنايا ديننا القويم .. ديمقراطية لا فيها زيف ولا كذب ولا تزوير تجري في ديننا مجرى الدم في العروق .. ديمقراطية أرسلت ابن حاكم مصر مخفوراً إلى المدينة ليطبق فيه عدل الله .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.