GMT 16:56 2017 الخميس 28 ديسمبر GMT 14:04 2017 الخميس 28 ديسمبر :آخر تحديث

"مشهد" اسماعيل الساماني

د خالد السلطاني
 
 
تربطني "وشائج" كثيرة بعمارة ما وراء النهر، فمنذ ان رأيت نماذجها المبهرة في بدء السبعينات، (عندما كنت احضر لاطروحة الدكتوراه)، وانا، ما انفكيت، اعتبر نفسي محباً لها وشغوفاً بمنجزها التصميمي. فهي، وكما اراها، مثلت تميزاً في المقاربة التصميمية لمنتج العمارة الاسلامية واظهرت تنويعاً ذكياً في خطاب تلك العمارة، التى اسعد باني انتمي اليها!
ثمة أمثلة مميزةـ استطاعت بلاد ما وراء النهر ان "تنتجها"، لتكون، وفق رأي كثر من الدارسين، فخراً وإثراءاً لمنتج تلك العمارة وبالتالي فخراً وإثراءاً الى منتج العمارة العالمية. بعض نماذج تلك العمارة، اراها، ليست فقطـ رائعة، وإنما غير مسبوقة في نوعية مبادئها التكوينية، وقيمتها الجمالية. من ضمن تلك الامثلة المعبرة "مشهد اسماعيل الساماني" (892 -907 م.) في مدينة <بخارى>. انه، وكما اراه، واحدا من اجمل تمثلات عمارة ما وراء النهر، والاضافة المهمة (واللافتة ..ايضاً) في منتج عموم العمارة الإسلامية. كما ان منظمة "اليونسكو" ووفقاً لتقييماتها، ادخلته، عام 1993في السجل الثقافي العالمي" كإثر عالمي مرموق واجب الحفاظ.  
ثمة "تناسب" متقن مشغول"بحميمية" صادقة، استطاع المعمار ان يجترح به (بهذا التناسب المحكم) عناصر مبناه الاساسية، وان يبتدع به ايضا قياسات "ادوات" زخرفة مبناه! ولعل هذا الحضور الطاغي في الاحساس بمخرجات المنظومة التناسبية، بالاضافة الى مقدرة المصمم في "اصطفاء" مقياس ملائم، و"مقاسات" مناسبة لمبناه، هو الذي يضفي تلك "الهالة" من الجمال والفتنة، ويجعلهما تنشران اريجهما في المكان! فالمبنى الذي صمم على شكل مكعب، لا يتجاوز طول ضلعه عن عشرة امتار من الخارج وحوالي سبعة امتار من الداخل، المشغول كله بالآجر، تمكن المعمار ان يحل من خلال فردانية هذه المادة الوحيدة، اشكالية القوام الانشائي وقضايا التزينات الزخرفية للمبنى معاً. وهذه الوحدة التركيبية، ما بين الانشاء والجمال، التى ابتدعها المعمار، تبقى لديه بمثابة "جهاز" سحري، يعمل في زيادة عذوبة الصنيع التصميمي للمبنى ويضفي عليه رقة زائدة! لكن تعاطي المصمم، مع "التفصيل"، يظل هو الآخر، تمثيلاً ناجعاً لمنظومة الحل التكويني. فمهام "التفصيل" (التفصيل، الذي نراه حاضرا بقوة، في جميع عناصر المبنى وعلى سطوحه)؛ يبقى عنده ليكون "ضربة" التكوين وعنواناً للغته التصميمية! وبهذه الفعالية "التفصيلية"، فان المعمار يسعى وراء ارساء احدى  اهم مميزات العمارة الإسلامية، مكرساً اياها في صنيع تطبيقي مترع بالحيوية والجمال!   
كلما "ازور" المبنى (واعترف باني مفتون بعمارته)، أجتهد في تامل وايجاد اشياءً كثيرة فيه، تشي بجماليات "خبيئة"، لم اكتشفها من قبل! اجلس لفترات طويلة، (احيانا لساعات! نعم لساعات!)، بقربه من الخارج وفي حيزه الداخلي، واشعر بان "معمار" المبنى يجلس بقربي، مرافقا لي، صامتاً، ومغتبطاً لرؤية سرور جم يغمرني، وانا في "حضرة" تلك العمارة المبهرة! فاللغة الرشيقة،عالية المهنية، التى اجترحها، "تتحدث" نيابة عنه، و"تقص" لي سحر اسرارها!
آمل، ان تتلمسوا، ايضا، ذلك الشغف الذي اكنه لهذا المبنى، والذي "يتلبسني" كلما كنت بقربه او اقوم بتصويره، وان تستمتعوا بجماليته المميزة، هي  التى تشع من عمارة ذلك المبنى، ذي الحجم المتواضع، بيد انه "الكبير" في قيمته الفنية ...والمعمارية!
معمار وأكاديمي

في ثقافات