GMT 4:00 2017 الأحد 5 فبراير GMT 10:19 2017 الأربعاء 8 فبراير :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

"نيكوتين" مذكرات مدخّن كرّس السجائر رديفًا للذات

إعداد: ابتسام الحلبي

"نيكوتين" أو مذكرات مدخن لا تخبو فيه الرغبة المشتعلة دائمًا بسيجارة أخرى، يروي فيه غريغور هانز الكثير عن إدمانه التدخين، وعن الشعور بالذنب في كل مرة ينقطع عن التدخين ليعود إليه ثانية.

إيلاف: "يجدر بي ألا أؤلّف هذا الكتاب، ففي ذلك مخاطرة كبيرة"، بهذا بدأ غريغور هانز، المؤلف والمترجم الألماني المخضرم، كتابه "نيكوتين" Nicotine)176 صفحة؛ منشورات أذر برس، 16.95 دولارًا)، ترجمة جين كاليخا، ويروي فيه مذكراته مع التدخين.

فمن خلال سرد تجاربه ومذكراته، يحاول هانز فهم السبب الذي دفعه إلى التدخين، وفي الوقت نفسه، يضيء تلقائيًا على الدوافع التي جعلت الآخرين يدخلون عالم التدخين. فالحقيقة التي يعرفها كل المدخنين، ولا يعترف بها إلا القليل منهم، هي أن التخلّص من النيكوتين ليس صعبًا. فالإدمان النفسي يمكن تخطيه باللصقات أو التنويم المغناطيسي أو كتب المساعدة الذاتية، أو قوة الإرادة.

الحس الدرامي
إذًا، النيكوتين أقل مشكلات المدخنين. والحقيقة هي أن المدخن يبقى مدخنًا حتى لو أوقف التدخين. ويعترف المؤلّف بأن كتابه استكمال لإدمانه بوسائل أخرى. 

لماذا ندخن؟ ببساطة يشرح هانز أن "كل سيجارة دخّنها كانت لها غاية أو مهمة. فقد كانت إشارة، ودواء، ومحفزًا ومهدئًا وتسلية وزينة وموضع هوس. وكانت طريقة لتمرير

نيكوتين أو مذكرات مدخن مدمن

الوقت، ومساعدًا للذاكرة، ووسيلة اتصال وأداة تأمل. وأحيانًا كانت السيجارة كل ذلك معًا". فالسجائر تعبّر عن الشباب والثورة والتجاهل المتعمد للنصيحة العقلانية، وهي للحياة مثل علامات الترقيم، تجعلها أكثر تماسكًا وتضفي عليها حسًا دراميًا، فتضيف الفواصل والحذف (وتضع في النهاية نقطة حاسمة، تكون مبكرة في معظم الأحيان). 

يقول هانز: "شخصيتي شخصية مدخن، بغضّ النظر عمّا إذا دخّنت أم لا". والتوقف عن التدخين يعني أكثر من مجرد التخلي عن تنشّق ذاك الدخان السام والمشبع إلى الرئتين، إذ عليك أن تنسلخ عن نفسك، وهنا تكمن الصعوبة. 

يشير الكاتب إلى أن أفضل سيجارة تدخّنها في حياتك هي سيجارة العودة بعد طول غياب، وتشعر بأن طعمها أفضل "كلما طالت فترة الامتناع المسبقة".

الشعور بالذنب سحري
هذه هي المعرفة الخطرة. فقد عاد بعض المدخنين المقلعين إلى التدخين مجددًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والبعض الآخر بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكأنّهم يلتفتون إلى مقولة الشاعر جيمس ديكي "الشعور بالذنب سحري". 

في الواقع، أن قسمًا منا بالكاد يسيطر على رغبته وتعطّشه، ففي عقل المدخن السابق، شظية مظلمة تتوق نوعًا ما إلى وقوع حوادث وخيمة لتبرير العودة إلى التدخين. لكن بحسب هانز، هذا لا يعني أننا بحاجة إلى إشارة كبيرة، فالصغيرة منها تفي بالغرض. 

يقول المؤلف: "كل إعلانات السجائر تولّد عندي انقباضًا من الحنين، كل علبة سجائر مجعّدة ومرمية بلا مبالاة في محطة للحافلات، كل عقب سيجارة تدهسه بحذائك، كل امرأة جميلة تمسك سيجارة بين أصابعها أو تبدو كأنّها قد تدخّن واحدة، حتى كرسي القراءة الذي أجلس عليه في كولومبوس يسبّب لي انقباض الحنين ذاك، وشرفة التدخين في برلين، وسيارة الجيب القديمة التي شهدت تدخيني بعض أفضل السجائر في أثناء القيادة".

فرصة أخيرة
هانز كاتب ومترجم ألماني عاش وعلّم في الولايات المتحدة. و"نيكوتين" أول كتاب له يصدر باللغة الإنكليزية. وهو كتاب هجين: جزء منه مذكرات، وجزء آخر رثاء فلسفي. فالكاتب يعطي إلى المدخّن السابق صورة مميزة لا تشبه تلك التي تخيّلتها في عقلك، فهو يمنحه صفات مختلفة: درّاج محترف، ومشارك في السباق، وعضو رابطة متسلقي جبال الألب الألمانية، ومهووس بصحّته، على الأقل بين نوبات التدخين الطويلة. 

في إحدى الصفحات يقول: "دخّنت ما يزيد على مئة ألف سيجارة في حياتي، وكلّ منها حمل معنى مميزًا بالنسبة إليّ". ويتابع: "دخّنت أعقاب السجائر الباردة والسيجار والسيجاريللو والبيدي والكريتيكس والماريجوانا والحشيش. فاتتني رحلات بسبب السجائر وأحدثت ثقوبًا مشتعلة في السراويل ومقاعد السيارات وأحرقت رموشي وحاجبيّ، وغفوت وأنا أدخن، وحلمت بالسجائر وبالعودة إلى التدخين والحرائق والإقلاع المرير".

إذًا، يرى هذا الكتاب فرصة أخيرة للتخلّص من هذه الرغبة، وفهمها وختمها ودفنها. 

من أجلي
في بعض المواضع، يكتب عن طفولته، فقد دخّن والده كثيرًا إلى درجة أن المؤلّف ظنّ أن التدخين وظيفة ذاك الرجل الأكبر سنًا. أما والدته، فامرأة أنيقة كانت تقود رينج روفر أزرق، فكانت تدخّن أكثر حين كانت تشعر بالاكتئاب. 

يأخذنا الكتاب أيضًا إلى أماكن غير عادية توقظ الذكريات، مثل جزيرة بوركوم الفريزية. فيروي السيد هانز عن رحلته إلى المدينة الألمانية بالدرشوانغ، التي تبدو وكأنها كلمة يستعملها سياسي أميركي عندما يُطلب منه شيء أكثر حيوية من كلمة "بوبيكوك" (أي هراء).

تظهر مهارة الكاتب خصوصًا في شرح كيفية تحول المقلعين عن التدخين إلى مدخنين بالإنابة، حيث كتب: "في بعض الأحيان، أجول في أنحاء المدينة، وأتخيل الآخرين يدخّنون نيابة عني... وبصمت، أشكر المدخنين أمام المقاهي ومباني المكاتب وفي مناطق التدخين، لأنني أتخيل أنّهم يفعلون ذلك من أجلي، ولمنحي رضا داخليًا. لديّ أشخاص يدخنون عنّي".

لا رومانسية
يهتمّ الكاتب أيضًا بالأقوال المأثورة وحاجتنا إلى ربطها بالمشاهير من طريق الخطأ عادة، فيذكر مثلًا المرات التي نلفظ فيها عبارة "لا داعي للقلق"، بينما نكون في الواقع، مظلومين إلى حدّ مُهلك. كما يرسم مرور الوقت مستخدمًا صورة تصف تحوّل كرات التنس البيضاء في مرحلة شبابه إلى لون أخضر نيوني.

هذا الكتاب لا يغوص عميقًا في التدخين والأدب، أو في التدخين والأفلام. وهو لا يخرج عن مساره ليستحضر رومانسية سيجارتين مشتعلتين وطاولة حميمة في إحدى الزوايا. "نيكوتين" يغفل تقريبًا معظم ملذات التدخين الاجتماعية. 

قد يذكرك أسلوب هانز الجواهري في النثر أحيانًا بالكاتب النرويجي كارل أوفه كنوسغارد. أما الصور الصغيرة بالأسود والأبيض في "نيكوتين"، فهي تذكّر بالصور في بعض كتب دبليو جي سيبالد.

من دون تنظير
تجدر الإشارة إلى أن الكتاب لم ينجح في بعض الزوايا. فثمة مقاطع في النسخة التي ترجمتها جين كاليخا تنحرف نحو لغة علم النفس. لكن في المقاطع التي يبقى فيها "نيكوتين" جافًا وترابيًا وقابلًا للاحتراق، مثل خليط التبغ في فرجينيا، فالكاتب يملك الكثير ليقوله وهو يوصله بوضوح وسلاسة.

تتضمن هذه الطبعة من "نيكوتين" مقدمة للكاتب الإنكليزي ويل سيلف، المعروف بمقدماته السيئة، فنرى أنّه يحاول أن يتفوّق على هانز بالمفاخرة مطولًا بإدمانه منقطع النظير على النيكوتين. 

القراء والمدخنون، والقراء المدخنون خاصة، سيكونون ممتنين، لأن هانز ألف "نيكوتين" على الرغم من مخاطر الانتكاسة والعودة مجددًا إلى التدخين. فهو كتاب نادر عن الإدمان: ليس فيه تنظير، ولا تحقير للذات، مع نفحة رومانسية من وقت إلى آخر. وكما هي الحال مع أفضل السجائر، فهو ينتهي بسرعة.
 


في ثقافات