GMT 12:00 2017 الجمعة 28 يوليو GMT 11:19 2017 الجمعة 28 يوليو :آخر تحديث

تجليات حضور الآخر بين الذاكرة والنسيان: نغم نصار في "ثلج على الأهداب"

عبدالله السمطي
 
 
حضور الآخر في ديوان نغم نصار :" ثلج على الأهداب" ( دار ميرزا، بيروت، لبنان ) وهو الثاني بعد ديوانها:" للعطر فلسفة أخرى"  حضور متكثر وكثيف ومتنوع، وهو يرتبط أولا بالحضور العاطفي الذي يتمثل فيه الوجدان صوره وأحاسيسه، تمثلا ينهض على الذكرى والحنين، أو ينهض على مشارفة الآتي عبر الحلم والمخيلة. 
لنقل إنه حضور متمدد دلاليا بشكل جوهري في مختلف النصوص. لنقل : إنه يعطي أن الشاعرة تحاول استقصاء مختلف صور هذا الحضور، وإنه يعطي أن الذات الشاعرة لها مرئياتها وتصوراتها التي تجاذب الآخر أطراف السؤال، وإنه يعطي – أخيرًا – أن الانهماك في تقصي الشعريّ إنما يفتح آفاقا وطرزًا دلالية متنوعة إذا كان الهدف الكامن له هو إعادة تأمل الذات وتأمل مواقفها ورؤاها وتجاربها. 
يتشكل ديوان:" ثلج على الأهداب" من (40) نصًّا، يتبدى فيها اللقاء الدلالي بين الأنا والآخر للوهلة الأولى في النص الأول المعنون:" تزوير" : 
أنا حين 
أدخلُ في حوار مع عينيك
أدوخ على شاطئك كموجة
كطعنة ريح، كحبة رمل
أتهجأ الحب على شفتيك
وأفك رموز زوابعك / ص 7 
ويبدو من المشهد هذا الحضور المركز للأنا في مقابل الآخر، وهو آخر يحضر عاطفيا هنا، في تعبيرات كان الشاعر هو الذي يتغزل بها في الشعر المعهود، لتنقلب الصورة وتشيد الذات الأنثوية هذه التعبيرات بقلب شعري جريء، لا يقف بالضرورة عند المسلمات التقليدية للرؤية الشعرية. ربما هذه الجرأة تشكل عنصرا باذخا من عناصر الدلالة الشعرية في القصيدة النسوية اليوم، وهو عنصر لا يتكرر شعريا فحسب، لكنه يتكرر على المستويات السردية كما في القصة القصيرة، والقصيرة جدا، والرواية. 
الحوار مع العينين، يفضي إلى الشاطئ، والشاطئ يستدعي الريح والرمل، ثم يعود ليتكلم تارة أخرى مع الشفتين لتفك الذات رموز الآخر، لكنه فكٌّ وحلٌّ يندرج في الدلالة العاشقة: 
وأفك رموز زوابعك
حرفًا حرفًا، قبلة قبلة
فيغتالُ عطركَ اتزاني 
يقيم صلاته العاطفية
بلا مواقيت تحت جلدي / ص 8 
الشاعرة لا تقف عند حدود الخوف من الآخر، تستدعيه تفك رموزه، تحاوره، تصفه وجدانيا، تنقب عنه حرفا حرفا، وتستمر في استقصائه عبر وصف غير موارب:
جميلٌ أنتَ يا حبيبي
حين تغفو على يديَّ
أو تحبو كطفل على الأهداب
فيصهل حبك في وريدي " / ص 8 
 
إن الأفق الرومانتيكي يحضر بجلاء كما نرى في المناداة والوصف، والحبيب هنا يتنقل عبر دلالات اللمس والحركة والرؤية، تتكلم عنه الذات الشاعرة وتعبر عن تجسده وحضوره. 
وهذا التجسد والحضور قد يخاصم الموت نفسه كما في نص:" ابقَ معي" / ص. ص 9-10 :" كي لا يموت العطر حسرة عليك، لا متسع في هذا العمر لموتين" أو يمتزج هذا التجسد بالزمن:" ابق معي .. كي أرمم هذا العمر المكسور وأهمس بحبك لصمت المرايا" . ثم يتمدد إلى الأحلام، والأماني، حتى يصل الحضور إلى الأمكنة:" لا مكان لك خارج عناوين لهفتي" ، وحين يصل إلى الأمكنة يتردد فيها الصدى:" يمشي على جسدي الطريقُ والصدى يصرخ: ابقَ معي " . 
ويستمر هذا الحضور بشكل متنوع في حالات كثيفة من العواطف، ومن تمثل الأفق الرومانتيكي والحديث عن الحب، والذكرى، والحنين والحلم، كما في نصوص:" في مهب العاطفة" و" قرار" حتى من شدة حضوره تذكر:" أحاولُ أن أتقن نسيانك" . ونصوص:" لعنة" و" معجزة" و" استغفار" الذي يتضمن تعبيرا دالا:" ألم تخبركَ عيناي أنني أخشى الفرح؟" كأن فرحة الحوار الرومانتيكي الدائم بين الطرفين قد تختفي، أو تتلاشى فلا ثمة فرح مكتمل. 
غبار على صورة الآخر
في تعبير مباشر تُيقّنُ الشاعرة جملة لها دلالتها تقول:" عمرٌ مضى وأنا أنفضُ الغبار عن صورة الآخر " / ص 25 نفض الغبار مرتبط هنا بفعل يتمثل الأمل، أو يصبو إلى التغيير، ومحو صورة قديمة للآخر، وتمسك بالأحلام الجديدة،كما في " امبراطورية أحلامي "،  وهو ما ينسرب في نصوص عدة لدى الشاعرة، فالآخر ليس هو المشتهى رومانتيكيا على الدوام، لكن له مواقفه الضدية، خاصة حين تصبح الجراح كما بصوت الشاعرة: " قبائل تتناسل في دمي" أو:" أنا التي سلمتك إمارة وجداني فرحلتَ، تاركا لي حقائب الندم" ، أو:" أرفض وأدي في تابوتك الشرقي" / ص 32 . وهنا يتحقق فعل الرفض الدائم في جملة من النصوص منها :" بعد اليوم" وفيه تتكرر أدوات النفي الآنية والمستقبلية :" لم، لا، لن" في كل جمل النص:" لن أحصي خطاك على رمال قلب، لن أنتظر هطول صوتك على أيامي" بعد أن كانت تقول في النصوص الأولى: 
هبني يديك كي ألامس الحياة
لأرتديكَ حلما تجسد في رجل / ص 13 
وفي نص" قرار" تخاصم الآخر، لتبتكر ذاتها المتفردة القادرة على النسيان بالرغم من ألمه الموتي :
كمن يحاولُ أن يتعلم الموت
أحاول أن أُتقن نسيانك / ص 14 
مستطردة إلى متابعة الألم والنسيان:
لا للبكاء الذي ينتحب في صدري
في مأتم لحظاتنا المسروقة معا
نعم للسيد المبجل النسيان
وأهلا به ضيفا عزيزا على الذاكرة / ص 15 
وتستشعر الذات الشاعرة قدرتها عبر محاولتها كسر الرتابة، والحفاظ على كبرياء الروح في الوقت ذاته. الشاعرة تومئ إلى ذلك في نصوص عدة، وهي توشح دلالات كثيرة في النصوص وفق هذا المعنى. " ما زلتُ أحبك بضراوة كبريائي بحجم الحزن الرث الرابض في بهو أعماقي" / ص 16 
أيها النائم في مدن صحوي الأبدي
مدني لا تستقبل الأحياء الموتى ص 39
وتقود أجواء الآخر مرة ثانية إلى استشعار مكامن الأنا، وبث أجواء وطنية حينا، أو أجواء ترتشف من المقدس الديني بعض صورها كما في نصوص:" جرح وطن" و" جيوب معصيتي" و" دمشق" تمثيلا. 

جدل الذاكرة/ النسيان
كثيرة هي مفردات التذكر والنسيان في نصوص نغم نصار، وهذه الكثرة تعني أن ثمة دلالة ما تريد الشاعرة أن تزجيها لقارئها، كأن ما يحدث من جمل شعرية، ومن تعبيرات تصويرية تندرج تحت هذين الدالين بمثابة إقامة بنية جدلية فيما بينهما، أو لنقل بمثابة تقديم رؤية جدلية بين ما تنطوي عليه الذاكرة من مواقف ووقائع، وبين ما يقود إليه النسيان من محو لهذه المواقف والوقائع، عبر هذا الجدل تتولد جملة من التعبيرات التي تؤلف لنسق متكامل لا متضاد بالضرورة، نسق يكمله الوعي ويبرهنه المعنى، ومن هذه التعبيرات المنبثة في نصوص الديوان، تمثيلا : 
- ظلك المحفور على جدار ذاكرتي أخنقه بأصابع النسيان فيخنقني/ ص 17 
- مرَّ اسمكَ في ذاكرة الحلم/ ص 19 
- ألقى الحصى في بحيرة نسياني .. تسهر الأقمار على شرفات ذاكرتي / ص 22 
- أتمنع عن مدني خبز النسيان / ص 29 
- ها هي يد ذكراكَ تلف حبالها على عنق نسياني دون رحمة / ص 43 
- حين أشهرتُ في وجهك النسيان، وشهدت ضد ذاكرتي زورا وبهتانا / ص 50 
- " في منتصف الطريق إلى النسيان.. ذكراك تعربد في لحظاتي" / ص 86 
تشكل هذه التعبيرات جدلا زمنيا بالأساس، لأن الذكرى استرجاع للماضي، والنسيان صورة مغايرة ضد الزمن، الذكرى والتذكر يسجلان، ويثبتان ويسردان، والنسيان لحظة محو، وما بينهما تنجدل علاقات جدلية كثيرة، مرتبطة في التحليل الأخير باستدعاء صورة الآخر، وصورة الحب، وفي هذه  البنية الجدلية المتوترة تتخلق صور كثيرة، وهو ما يقل النصوص أحيانا إلى ابتكار رؤية، أو نقض تواتر، أو جذب آلية وعي لدى القارئ للوصول إلى أفق قراءة أبعد. 
أسلوبيًّا، تنتشر تركيبات الإضافة ( مضاف + مضاف إليه) بشكل جلي في نصوص الديوان، محققة قدرا من الاستعارات التصريحية البينة ، ( صدر الرمال، شاطئ موتي، خيام الوجع، بيادر حرماني، أسلحة الشوق، خبز النسيان، قوت القلب، خبز المساكين، أجراس الغضب، غابات الوجدان،  تراب الأحلام، عقر القصيدة، جسد كلماتي ) مثلا، فيما تتكرر الجمل المنفية، في مقابل تكرار الجمل الاسمية التي تضفي قدرا من الثبات الدلالي لبنى النص كأنها تتأمل في ذاتها أكثر فيما تتأمل في الآخر الرومانتيكي الذي تتوجه إليه جملة لا بأس بها من نصوص الديوان ، وبالتأكيد تحضر الأنا، سواء بصيغة ضمير المتكلم أم بالأنا الكامنة في الأفعال المضارعة المبدوءة بهمزة. ومن الظواهر الأسلوبية كذلك بالديوان ما يمكن تسميته بالتبريرية، أو البحث عن سببية ما يحدث ، مسبوقة أحيانا بأدوات التمني والرجاء: لو، ليت، لعل، وهي ظاهرة تتكرر في نصوص كثيرة بالديوان، تتأدى بصيغة هذه الجملة:" ليت للغياب قلب يفقه الحنين، ليسير حافيا على جمر الرحيل" .. ليسير هنا تبرر التمني. 
أو في نص:" لو" الذي تخاطب فيه حبيبا مكانيا هو" لبنان":
لو كان بيدي
لدثرتك بمعطف الحب
لأهديتك حذاء من الصبر
كي تنتعله على طرقات التعب. / ص 70 
ومع هذا الأداء الشعري المتواتر الذي يحتفي بالأجواء الرومانتيكية، لا تذهب الشاعرة بعيدا عن هذا الأفق، مراودة إياه بنصوص متنوعة، تصور البعاد أحيانا، وتعبر عن الفقد والألم المبطن والأحلام، والجنون، والغربة، والبكاء، والصبر، والضجر ، في مقابل الاحتفاء بما هو غنائي كما في نص:" لأنك حبيبي" ، مع هذا الأداء فإن ثمة أجواء أخرى غائبة من الممكن أن تغير من تنميط الرومانتيكي بالديوان، بالبحث أو الإيغال في فلسفة سؤال الحب، في جوهرته أبعد، في البحث عن المفارقة والخيال الأكثر خصوبة الذي يفضي إلى ترويض الكلمات وإقامة علاقاتها الجارحة التي تجعل من الأداء الشعري حالة أكثر تشكيلا ودرامية، مفارقة للسائد الرومانتيكي، وهو ما يتجلى أحيانا في النصوص الأخيرة بالديوان " مقايضة، ميثاق، يا أنا – مثلا "  لدى الشاعرة التي ذهبت لاستقصاء أطراف ذاتها مقابل الآخر لتعايش لحظتها وتعبر عما يجيش بالوجدان والوعي والحواس وصولا إلى التعبير عما يجيش بالمخيلة نسيجًا وتصويرًا ودلالة. 
 

في ثقافات