GMT 4:00 2017 الأربعاء 13 سبتمبر GMT 5:27 2017 الخميس 14 سبتمبر :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

التفكير الإبداعي لا يمكن شراؤه إلكترونيًا

محمد الحمامصي

بات العالم الافتراضي مسيطرًا على البشر حتى إنه سلخهم عن واقعهم الحقيقي، مع كل هذا يبدو مستحيلًا شراء تفكير إبداعي عن طريق الانترنت إلا أننا يمكننا تنشئة أجيال تمتلك هذا المنحى عبر إحاطتهم ببيئة مناسبة ومحفزة.

إيلاف: يتمثل الهدف الرئيس من كتاب "تغيّر العقل" للباحثة البريطانية د.سوزان غرينفيلد في استكشاف الطرق المختلفة التي يمكن أن تؤثر بها التقنيات الرقمية، ليس فقط في أنماط التفكير والمهارات المعرفية الأخرى، ولكن أيضًا في نمط الحياة، والثقافة، والتطلعات الشخصية.

فقدان فرص
ويسعى في تحليله إلى تجميع الخيوط من الاتجاهات المجتمعية الظاهرة وآراء الخبراء المهنيين، فضلًا عن مجموعة واسعة من النتائج العلمية المباشرة وغير المباشرة من مختلف التخصصات، إضافة إلى التعليقات والتقارير المنشورة في الصحافة الشعبية التي تعمل كمرآة للمجتمع الذي نعيش فيه.

العقل ما بين زمن القراءة والانترنت... مد وجزر

في البداية تؤكد الباحثة البريطانية في كتابها الصادر من سلسلة عالم المعرفة أنه في حالة التغيرات التي أحدثتها الإنترنت على المدى الطويل في الدماغ وفي السلوك المترتب عليه، نحن نواجه وضعًا معقدًا، وهو وضع غير خاضع لاختبار ذي نتيجة قاطعة أو لتجربة منفردة تعطي نتيجة غير ملتبسة. أي نوع من الأدلة قد يأمل المرء في الحصول عليه، خلال فترة معقولة من الزمن، والذي يمكنه أن يثبت بصورة ترضي الجميع أن ثقافة الشاشة تحدث تحولات طويلة المدى في ظواهر واسعة النطاق والتنوع، مثل التعاطف، ونفاذ البصية، والفهم، والهوية، والمخاطرة؟.. ما هي النتيجة المنفردة والمنفصلة التي تلزم لإقناع من يقاومون احتمالية أن يكون هناك شيء خطأ في نهاية المطاف، أو على الأقل أننا نفقد بعض الفرص؟.

غياب الثقة
تحاول الباحثة الإجابة عن تساؤلات، مثل كيف يعمل الدماغ؟، وكيف يتغير الدماغ؟، وكيف يصبح الدماغ عقلًا؟. وتفرد فصولًا مطولة لمناقشة مختلف الآليات الدماغية المتعلقة بالأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر وداء باركنسون، كما تتناول تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي على الهوية والعلاقات الاجتماعية وألعاب الفيديو على سلوكيات لاعبيها.

تشير إلى أنه يمكن اعتبار مواقع الشبكات الاجتماعية نوعًا من سقط الطعام بالنسبة إلى الدماغ، فهي غير ضارة بما فيه الكفاية عند استخدامها باعتدال، لكنها ضارة عندما تفرط في استخدامها. وتقول "إن غياب الفرصة على الإنترنت للتدريب على المهارات الاجتماعية قد ينبئ كذلك بحدوث انخفاض في العلاقات العميقة وذات المغزى. وهناك اعتبار مهم هو أن تفضيل التواصل عبر الإنترنت، وليس وجهًا لوجه قد يؤدي إلى مزيد من عدم الثقة بالناس. فبعد كل شيء، تنبع الثقة من التعاطف، والذي ينشأ بدوره بأفضل صورة من خلال التواصل وجهًا لوجه ولغة الجسد".

اختلال مجتمعي
تضيف قائلة: "من المؤكد أنه عندما يحل الوقت الذي نقضيه في العلاقات عبر الإنترنت محل الوقت الذي نقضيه في التفاعل البشري الحقيقي، تكون إمكانية تفويت العلاقة الحميمة العميقة مع الآخرين أقرب احتمالًا. لذلك نحتاج التفكير في أثر العلاقات من النوع الذي يحدث على فايسبوك في نمط الحياة بشكل عام. يمكن للتواصل المفرط عبر الشبكات الاجتماعية أن يتجاوز كل الحدود وصولًا إلى اختلال العلاقات الشخصية، والإضرار بالمهن والزواج وحتى هدمها. ومن الممكن أن يستبدل الوقت الذي نقضيه في المحافظة على العلاقات، كما يؤدي إلى زيادة فرص التواصل مع الشركاء السابقين أو الشركاء المستقبليين المحتملين، وكلاهما يؤدي إلى الإغواء أو إلى الغيرة في العلاقات الحالية.

وتذكّر بدراسة أجريت في العام 2013 وجدت المستويات المرتفعة من استخدام فايسبوك ترتبط بنتائج سلبية في العلاقات، مما يؤدي إلى مزيد من الخيانة، والانفصال، والطلاق. وقد تأثرت هذه النتيجة بمقدار الصراع الذي عايشه الزوجان في ما يتعلق بفايسبوك.

تؤكد الباحثة البريطانية أن بيت القصيد من مصطلح "تغيّر العقل" على عكس المصطلح المحتمل الذي يبدو شبيهًا بكتابات الخيال العلمي "تغيّر العقول"، على سبيل المثال - هو أنه يتناول العديد من جوانب الكيفية التي يمكننا بها كأفراد أن نفكّر، ونشعر، ونتفاعل بعضنا مع البعض، كلما ازداد طول عيشنا في هذه البيئة الرقمية التي لم يسبق لها مثيل.

تنازل بالتراضي
من أجل الإطلاع على الصورة الأكبر، بحسب غرينفيلد، فمن المهم أن نفكّر ليس فقط في العلوم العصبية التي ترتكز إليها هذه التحولات، ولكن أيضًا في علم النفس والعلوم الاجتماعية، وحتى الفلسفة الكامنة وراءها. واعتبارًا من القرن السابع عشر فصاعدًا، روّج كبار المفكرين، مثل جون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو، لفكرة العقد الاجتماعي، التي ترى أن الأفراد قد تراضوا، إما صراحة أو ضمنًا، على التنازل عن بعض حرياتهم أو حقوقهم الفردية، من أجل حمايتهم وعافيتهم الشخصية القصوى. ولذلك دعونا ننظر الآن في تأثير مواقع شبكات التواصل الاجتماعي في القيم الأخلاقية المقبولة في مجتمع ما".

وترى الباحثة أنه استنادًا إلى مقابلات أجريت مع عدد من المراهقين والشبان، استكشفت إحدى الدراسات مدى اشتمال نهج الشباب في الحياة على الإنترنت على اعتبارات معنوية أو أخلاقية أظهرت البيانات أن التفكير الفردي كان هو التركيز الأساسي عند اتخاذ القرارات على الإنترنت؛ أما التفكير المرتكز إلى المجتمع فكان أقله انتشارًا. علاوة على ذلك، فقد كان في وسع الغالبية الساحقة من المشاركين في هذه الدراسة تحديد حالة واحدة على الأقل قللوا فيها من أهمية العناصر المعنوية للأنشطة التي تتم عبر الإنترنت، مما يشي بأن الأفراد لديهم "قدر أكبر من التسامح تجاه السلوكيات غير الأخلاقية على الإنترنت". ربما كنا نتعرّض بالفعل لخطر نسيان أبيات جون دون الشهيرة: إن موت أي إنسان يهد من كياني،ل أنني جزء متشابك من الجنس البشري، ومن ثم لا ترسل أحدًا لتسأل عمّن تقرع له الأجراس؛ فهي تقرع لك أنت".

السباحة عكس القيم
تضيف "إن فايسبوك، وتويتر، والمواقع المشابهة لهما تقدم وعدًا بأن تكون على الدوام متصلًا، ومرغوبًا، ومثيرًا للإعجاب، وحتى محبوبًا. لقد جلبت تلك المواقع إلى مجتمعنا تفسيرات للهوية وعلاقات تتحدى القيم والأخلاق الحالية، وذلك بطريقة لم تكن متخيّلة حتى قبل عقد واحد من الزمان".

وتلفت الباحثة البريطانية إلى أن دراسات متعددة أكدت أن ممارسة بعض ألعاب الفيديو تمنح اللاعب طائفة واسعة من المزايا المتنوعة، بما في ذلك تحسن الرؤية المنخفضة المستوى، والانتباه البصري، وسرعة المعالجة، وغيرها، إن حقيقة أن عددًا من الدراسات المحكومة وفق الأصول قد أثبتت مرارًا وتكرارًا وجود علاقة سببية بين ممارسة ألعاب الفيديو، وتعزيز هذه القدرات يثبت أن ألعاب الفيديو، وليست أي ملكات خارقة لدى اللاعبين أنفسهم، هي ما يسبب هذا التحسن.

تضيف: "كذلك فلا تؤدي تجربة ألعاب الفيديو سوى إلى أفضلية فورية في المهمات الحالية. ثمة فائدة حقيقية لممارسة تلك الألعاب، والتي يبدو أنها القدرة الأكثر إثارة للإعجاب لتحسين كيفية تعلم اللاعبين مهمات جديدة كليًا. ولهذه المواهب المكتشفة حديثًا تطبيقات لاحقة في العالم الحقيقي. وهي تشمل، على سبيل المثال، القدرة الفائقة على رؤية التفاصيل الصغيرة، وسرعة معالجة المعلومات المعروضة بسرعة، وزيادة سعة الذاكرة القصيرة المدى، وزيادة القدرة على معالجة أشياء متعددة في الوقت نفسه، والتبديل المرن بين المهمات - وجميعها مهارات مفيدة في طائفة متنوعة من الوظائف التي تتطلب الدقة. لقد اتضح أن جراحي المناظير الذين اعتادوا ممارسة ألعاب الفيديو يتفوقون على أقرانهم من الجراحين غير اللاعبين من حيث سرعة التنفيذ والموثوقية".

بيئة حاضنة للعنف
ونظرًا إلى أن الألعاب العنيفة تمثل 50% أو أكثر من إجمالي مبيعات ألعاب الفيديو، فهل ستؤدي ممارسة هذه الألعاب إلى زيادة التصرفات العدوانية في العالم الحقيقي؟.. ترى الباحثة إن "توفر ألعاب الفيديو بيئة مثالية يجري فيها تعلم العنف، لأنها تضع اللاعبين في دور المعتدي، وغالبًا ما يكافأون على السلوكيات العنيفة الناجحة. تسمح الألعاب للاعبين بتكرار السرد بكامله، من الاستفزاز إلى اختيار الرد بعنف إلى حل النزاع، ويحفز اللاعبون على إعادة تمثيل هذه السيناريوهات مرارًا، ولفترات طويلة من الزمن من أجل تحسين نتائجهم، والتقدم إلى مستويات أعلى.

تتابع: "من المحتم أن يزيد هذا التكرار من فعاليتهم ومن احتمالية تكرار مثل هذا السلوك. وبالتالي، ستعتمد السلوكيات العدوانية. التحول المحتمل إلى نمط وتوجه سلوكي أكثر عدوانية بمرور الوقت يمكنه أن يؤثر في المجتمع وفي ما يتوقعه بعضنا من بعض، وربما تقليل توقعاتنا بالحصول على الاحترام والتسامح وزيادة عدم ثقتنا في الآخرين وحاجتنا المدركة إلى الحفاظ على الذات. أي زيادة في العداء تعني انخفاضًا في ضبط النفس السوي، وزيادة التهور من دون النظر إلى العواقب".

تشتيت للانتباه
وتوضح الباحثة البريطانية أنه من المثير للاهتمام حدوث رد الفعل العنيف ضد الاعتماد السابق لأوانه للتكنولوجيا في الفصول الدراسية، والذي يكتسب زخمًا في ولاية كاليفورنيا، حيث يختار العديد من المدارس طرق تدريس منخفضة التكنولوجيا. "المشاركة هي التواصل البشري، أي التواصل مع المعلم والتواصل مع أقرانهم"، كما يقول والد لثلاثة أطفال، وهو أيضًا موظف في إحدى شركات التكنولوجيا المتقدمة. وفي الوقت نفسه شدد بول توماس، وهو مدرس سابق وأستاذ مساعد في التربية في جامعة فورمان، والذي ألف اثني عشر كتابًا حول طرق التعليم العامة، على أن "التعليم هو تجربة إنسانية. تمثل التكنولوجيا تشتيتًا للانتباه عندما نحتاج معرفة القراءة والكتابة، والحساب، والتفكير النقدي".

تضيف أنه يوجد في الولايات المتحدة 160 فرعًا لمدارس والدورف، التي تتشارك فلسفة تعليمية تركز على النشاط البدني والتعلم من خلال الإبداع والتدريب العملي على المهمات. وفي الواقع أن هذه المدارس تحظر استخدام جميع الأجهزة الرقمية، وتتمثل عقيدتها في أن الحواسيب تمنع التفكير الإبداعي والحركة والتفاعل الإنساني، وتحدّ من سعة الانتباه. ما ينمّ عن الكثير أن صحيفة نيويورك تايمز ذكرت أن مدرسة والدورف في لوس ألتوس هي المفضلة لدى أولياء الأمور في وادي السيليكون، الذين كانوا هم أنفسهم منغمسين في الصناعات الرقمية.

شكوك مبررة
يبدو بحسب الباحثة هذا الاتجاه جذابًا بشكل خاص، ليس فقط بالنسبة إلى التعليم، ولكن بالنسبة إلى تغير العقل ككل. إذا كان أصحاب العقول الذكية الذين اخترعوا ألعاب الفيديو، والشبكات الاجتماعية، والألواح الرقمية يشعرون بالقلق حيال غمر أطفالهم في هذه التقنيات، فمن المحتمل أن يكون للشكوك المتنامية بشكل عام بشأن فوائدها التعليمية ما يبررها.

تنبه الباحثة البريطانية إلى خطر أن تنقل المعلومات على نحو متزايد من خلال الكلمة المنطوقة والصور المرئية، وتقول "قد نواجه احتمال أن تكون معرفة القراءة والكتابة أقل أهمية على نحو متزايد في الحياة المستقبلية. لماذا تتعلم القراءة والكتابة، إذا أمكن إجراء التواصل اليومي بسهولة، من دون امتلاك أي من هذه المهارات؟، إن معايير معرفة القراءة والكتابة آخذة في الانخفاض بالفعل، وقد أظهرت الأبحاث أن كثيرًا من الأطفال هم أقرب احتمالًا لامتلاك هاتف محمول مقارنة بكتاب".

وتوضح أن دراسة أجراها الأكاديميون في جامعة دندي تشير إلى أن المراهقين يفضلون الآن النصوص الأسهل قراءة مثل سلسلتي هاري بوتر وتوايلايت. والمثير للدهشة أن كتاب إريك كارل الكلاسيكي المصور، والمعنون "اليرقة المتضورة جوعًا" الذي يرسم تحول يرقة إلى فراشة خلال مدة أسبوع، قد برز باعتباره الكتاب الأكثر تفضيلًا بين الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة.

تجاوز السخرية والخوف
وتشدد على أنه لا يمكن شراء التفكير الإبداعي، أو تنزيله من الإنترنت، أو ضمانه، ولكن من الممكن تنشئته من خلال توفير البيئة الملائمة. وكذلك فإن بناء الأطر المفاهيمية الفردية لفهم وتفسير العالم يعني تشجيع الأفراد على امتلاك الثقة في التشكك في المبادئ والآراء التقليدية وتفكيكها، وامتلاك الشجاعة لإنشاء ارتباطات جديدة من دون الخوف من آراء الآخرين أو سخريتهم. وليس من المبهج أن نتخيل العالم مأهولًا بأفراد يمتلكون تنسيقًا حسيًا حركيًا ذكيًا، والذين يمكنهم أداء مهمات عدة على نحو جيد، ولديهم حاصل ذكاء مرتفع، ولكنهم غير قادرين على الفهم والتفكير التأملي، ناهيك عن طرح أفكار أصلية.

وتوضح أنه على الرغم من اعتراف الكثير بأن الذكاء يمكن تحديده، والتعبير عنه بطرق عدة، يركز هواة تكنولوجيا المعلومات، مثل الفيزيائي راي كرزويل، على تعريف ضيق للذكاء، الذي يرمزون إليه بالرمز "غ" g، ويفترضون أن تلك الظاهرة المتشعبة يمكن التعبير عنها كعملية حسابية، وعلى عكس الاعتقاد السائد، فقد لا يكون معدل الذكاء المرتفع أو المنخفض أمرًا ولدت به ببساطة، وقد أوضحت غالبية الدراسات الوراثية التي أجريت على الأطفال أن نسبة 20 و40 في المائة من الذكاء "غ" موروثة.

وبصرف النظر عن المسألة المتعلقة بمدى دقة قياس حاصل الذكاء للمهارة العقلية، فمن الممكن إثبات التأثير القوي للبيئة في الزيادة الواضحة والمستمرة لفترة طويلة في حاصل الذكاء، والتي لوحظت على مدى الخمسين إلى الستين سنة الماضية، ومن الممكن أن تتأثر تلك الزيادة، والمعروفة باسم "تأثير فلين" بعوامل عدة، حيث يشير جيمس فلين، وهو الباحث المنسوب إليه هذا التأثير، إلى أن هذا الارتفاع قد يكون راجعًا إلى البيئة الأكثر إثارة السائدة في العصر الحديث.

تمرين رقمي
تقول الباحثة "ربما تكون زيادة التدريب على المهارات النوعية للاختبارات واحدة من التفسيرات الأخرى المحتملة لزيادة كفاءة اختبار الذكاء. ومنذ بداية القرن العشرين، أدى الانتشار الواسع للأفلام، والتلفاز، وألعاب الفيديو، والإنترنت إلى تعريضنا لمزيد من الوسائل البصرية، مما أتاح لنا أن نصبح بارعين بشكل متزايد في التحليل البصري. ويركز أحد أنواع اختبارات الذكاء، وهو اختبار مصفوفات ريفن المتتابعة لقياس حاصل الذكاء "Ravens Progressive Matrices IQ Test" على المهارات الإبصارية المكانية؛ وبشكل واضح، كانت الزيادة في تلك النسب مذهلة.

توسع ستيفن جونسون، وهو مؤلف كتاب "كل شيء سيئ هو أمر جيد بالنسبة إليك"، في شرح فكرة أن اللعب والكفاءة في اختبارات الذكاء تعمل على تمرين العمليات العقلية ذاتها. ونتيجة للتفاعل المتزايد مع الشاشة، يكتسب المواطنون الرقميون مهارات معينة بشكل أفضل من الأجيال السابقة التي نشأت على قراءة الكتب. يبدو هذا الرأي مقنعًا عند مقارنة أنواع المهارات المطلوبة للحصول على نتائج جيدة في اختبارات الذكاء مع تلك التي يجري التدريب عليها في ألعاب الحاسوب. وكلتاهما عمليات مجردة، تتطلب القدرة على ملاحظة الارتباطات والمفارقات، وقبل كل شيء، اكتشاف القواعد المستقلة عن السياق الأوسع أو أي معارف عامة.
يرى جونسون أيضًا أن ثقافة الشاشة تعمل على بناء عقول أفضل تكيفًا مع التعقيدات الأوسع، والتي تمتلك مهارة أكبر في تعدد المهمات، وتتعزز القدرة على حل المشكلات، وفي الوقت نفسه أخذ الأحداث الطارئة والقواعد المتعددة (الذاكرة العاملة) في الاعتبار، بفضل ألعاب الفيديو التي تدربنا خلالها على حل المشكلات بشكل أسرع أو التنقل بين المشكلات بمعدل أسرع. وهذا، على الأرجح، هو نوع الذكاء الذي تساعدنا ثقافة الإنترنت المتنامية على تنشئته، وهي قدرة حسابية تجاوزت بالفعل حدود المعقول، والتي تثير إعجاب كرزويل، لدرجة أنه يتوقع أن تحل تلك الأجهزة الرقمية محل الدماغ البشري.

زوال الدهشة
لكن كرزويل يغفل حقيقة أن المعالجة الحسابية تتطلب نقطة نهاية محددة، أي إيجاد حل واضح لمشكلة معينة. ويتضمن هذا النوع من الذكاء، المعزز بوساطة التفاعل المطول على الشاشة، أنماطًا مميزة ومعالجة الارتباطات، حتى يتوصل إلى الحل الصحيح ضمن فترة زمنية معينة. على النقيض من ذلك، تعتبر مظاهر الذكاء الأخرى مطلقة بلا حدود، كتأليف كتاب مثل "الحرب والسلام" أو تخيل كيف يمكن للدماغ تكوين الوعي. وعندما تتعلق المشكلة بإيجاد حل للغز معيّن أو بحث عن حقيقة ما، فسيفيد الوصول إلى الشاشة. لكنها إذا كانت تتعلق بتحليل معنى الحياة، فلن تكون للتنقل بين المهمات والمهارات السمعية البصرية فائدة تذكر.

تتساءل الباحثة البريطانية: كيف سيؤثر وجود تلك التقنيات الطبية الرائدة في عقلية القرن الحادي والعشرين؟، وترى أنه من المرجح أن تنظر الأجيال المقبلة إلى هذه التطورات باعتبارها أمورًا بديهية، كما كانت حالنا ونحن صغار؛ إذ لم نعتبر شلل الأطفال والسل مخاطر صحية، مثلما اعتبرهما آباؤنا من قبل. وقبل ذلك؛ وفي العقود الأولى من القرن العشرين، كان الناس يتقبلون عدم الراحة في أحسن الأحوال والألم في أسوئها باعتبارها أمورًا اعتيادية، سواء أكانت تلك ناجمة من الأسنان النخرة، أم عتامة العين (الساد)، أم آلام المفاصل، أم العدوى.

كانت الأمراض البسيطة المزعجة لتصبح أمرًا اعتياديًا، وكان على الدماغ أن يتكيف بتأثير التطور مع ما يفرض عليه من ظروف. لكن، من الناحية الأخرى، لو كان الانزعاج الجسدي أمرًا اعتياديًا، لما تمكن الناس تدبر أنفسهم وشؤون حياتهم بالسهولة نفسها المتاحة لنا الآن. علاوة على ذلك، فسيطغى على وجود ك اليومي احتمال وارد للغاية؛ وهو أن يدمر فجأة مرض عشوائي متقلب حياتك أو حياة شخص قريب منك. وفي الوقت الحالي تنحسر مثل هذه المخاوف، وربما تشجع التقنيات الطبية في المستقبل الاعتقاد بأن العافية حق طبيعي للجنس البشري.

أعباء الخرف
تضيف "لكن هناك مرضًا واحدًا، أو بالحري مجموعة من الأمراض يجمع بينها عرض معيّن مخيف، هو الأكثر تدميرًا مما سواه، إذا كنا مهتمين بتغير العقل، فعلينا أن نفكر كذلك في خسارته - التي لا تسببها أنشطة الشاشة الطائشة فقط، بل التي تحدث بصفة مستديمة بسبب أمراض الدماغ أو الخرف الذي يعني حرفيًا: "فقدان العقل".

وكما نعلم بالفعل إذا أمكن اعتبار العقل "شخصنة الوصلات العصبونية"، فسيكون التفكك التدريجي لتلك الوصلات هو العملية الفيزيائية التي تكمن وراء الارتباك وفقدان الذاكرة، اللذين يميزان أمراضًا، مثل داء الزهايمر. بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، سيعاني مليونا شخص في المملكة المتحدة وحدها من داء ألزهايمر، وهو عدد يمثل نحو 70% من حالات الخرف.

تشير التقديرات إلى أن 35.6 مليون شخص من جميع أنحاء العالم كانوا مصابين بالخرف في عام 2010، ومع توقع تضاعف العدد كل 20 عامًا، فسيبلغ عددهم نحو 65.7 مليون شخص في العام 2030، و115.4 مليون في العام 2050. وفي دراسة أميركية أجريت في العام 2013 اتضح أن الخرف هو عبء اقتصادي أكثر تكلفة للمجتمع من أمراض القلب والسرطان.


في ثقافات