GMT 23:59 2017 الأحد 24 سبتمبر GMT 17:52 2017 الإثنين 2 أكتوبر :آخر تحديث

تاريخ الإرهاب قديم

ميسون أبو الحب
يؤكد مؤلف تاريخي ضخم بأن الإرهاب كان موجودا من فترة ما قبل التاريخ وأن ما نشهده اليوم ما هو إلا امتداد له.
يتفق محللون سياسيون وباحثون على أن المشكلة الرئيسية التي تواجه عصرنا الحالي هي الإرهاب ويعتقد كثيرون أن هذه الظاهرة حديثة عهد ولم تظهر إلا خلال العقود السابقة، غير أن مؤلفا ضخما صدر في فرنسا مؤخرا يثبت العكس تماما ويكشف لنا أن ظاهرة الإرهاب موجودة منذ القدم وأنها ليست وليدة هذا الزمان بل رافقت تاريخ الإنسان في جميع مراحله وعصوره.
عنوان المؤلف "تاريخ الإرهاب من حقبة ما قبل التاريخ إلى داعش"
وقد أشرف عليه المؤرخان الفرنسيان جيرار شالياند وآرنو بلان وشارك فيه ثمانية مؤرخين وباحثين آخرين ليكون بذلك نتاج جهد جمعي ضخم.
يقع الكتاب في أكثر من 800 صفحة وهو يشرح لنا بأن تاريخ الإنسان على الأرض نادرا ما خلا من أعمال وتنظيمات إرهابية وفي كل مناطق العالم تقريبا.
فلسطين
يعتقد الباحثون أن أول منطقة عرفت إرهابا منظما كانت أرض فلسطين في القرن الأول الميلادي عندما تمردت على حكم روما مجموعة يهودية صغيرة حملت اسم زيلوت أو الغيورون وطالبت بالاستقلال اعتبارا من السنة السادسة للميلاد وأخذت تنظم احتجاجات منهجية. غير أن سلطات روما ضربت المتمردين بيد من حديد وبطريقة وحشية وصلبت ألفين منهم. ونقرأ في الكتاب "كان هدف هذا الفعل هو خلق صدمة نفسية شديدة لدى السكان بطريقة تقنعهم بالتخلي عن التمرد. وكان ذلك أول استخدام للترهيب في هذه الحرب التي دامت عقودا".
غير أن مجموعة الزيلوت كانت تنشر الرعب هي الأخرى وكانت تذبح ضحاياها أمام الملأ وفي الأماكن العامة والأسواق وقد اتخذت الحرب التي شنتها شكل حرب عصابات، أي الشكل الذي استمر حتى يومنا هذا تقريبا. ويلاحظ المؤلفون أن هؤلاء الناشطين القدامى لم يفصلوا بالمرة بين أهدافهم السياسية والدينية إذ شن الزيلوت حرب تحرير ضد سلطات روما غير أنهم شنوا حربا موازية أخرى ضد أبناء جلدتهم أنفسهم ممن كانت المجموعة تعتبرهم معتدلين.
نظام الملك
وفي العصر الوسيط ظهرت الطائفة الاسماعيلية النزارية المشرقية ويعرفها الغرب باسم الحشاشين ووجدت لها مقرات في إيران وسوريا. ويذكر المؤلفون أن هذه الطائفة دافعت عن أهداف دينية وسياسية في الوقت نفسه تحت إشراف زعيمها حسن الصباح ولم تتردد في اللجوء إلى تنظيم هجمات وعمليات اغتيال لفرض نفسها فيما كانت تبذل مساع دائمة للحصول على تأييد الفقراء وسكان الأرياف. ونقرأ في الكتاب "تشبه الستراتيجية التي استخدمتها هذه المجموعة تلك التي ستعتمدها حركات ثورية مختلفة خلال القرن العشرين".
وكان أهم فعل نفذته هذه المجموعة عملية اغتيال سياسي راح ضحيتها نظام الملك الذي كان وزيرا أول لدى ثاني سلاطين السلاجقة ألب أرسلان. ويرى الباحثون "كانت هذه واحدة من أهم العمليات الإرهابية عبر العصور وكان لها في ذلك الزمان صدى مشابها للأثر الذي أثارته عملية اغتيال ارشيدوق النمسا أو هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 في عالمنا المعاصر".
إرهاب الجموع
مارس أعمال الإرهاب والترهيب أيضا مقاتلون رحل للتعويض عن نقص عددهم مقارنة بالشعوب التي كانوا يغزونها وكانوا يستخدمون عنصري المفاجأة وإثارة الرعب كوسائل رئيسية. وأهم من يجسد هؤلاء القائد العسكري المغولي جنكيز خان.
ولكن تيمورلنك ضرب رقما قياسيا في القسوة والوحشية وكان ينشئ مع جنوده أهرامات من رؤوس الأقوام التي كانوا يغزونها. ويروى عنه أنه عندما غزا بغداد دمر أسوارها وأحرق منازلها وقتل عشرات الآلاف من سكانها وألزم جميع من معه بأن يأتي كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل المدينة حتى يقال أن بغداد فقدت 100 ألف شخص في يوم واحد فقط عدا من قتل خلال الحصار وفي المعارك ومن غرق في نهر دجلة عند محاولته الفرار.
أما أوروبا فيعتقد المؤلفون أنها ظلت بعيدة عن عالم الترهيب والإرهاب حتى قيام حرب الثلاثين عاما في القرن السابع عشر عندما وقعت مجازر مجانية بشعة بعد استيلاء الماركيز دو سورديس على مدينة شاتيون سور سون في منطقة اللورين بناءا على أوامر من ريشيليو، حيث شنق الماركيز القسم الأكبر من الأسرى وتركهم معلقين في أماكنهم لفترة طويلة ليكونوا عبرة لمن اعتبر في المنطقة.
ويرى الباحثون أن تلك الفترة شهدت مساع حثيثة ومنهجية لتحقيق أهداف مدنية عن طريق شن حروب أدت إلى التسبب في هجرات سكانية ضخمة بسبب الترهيب.
فرنسا تخترع الإرهاب الحديث
ويعرج المؤلفون على فترة الثورة الفرنسية ويعتبرون أن فرنسا هي التي اخترعت "الترهيب الحديث" حسب تسمية المؤلفين ويعنون به "إرهاب الدولة" في الأعوام 1793-1794. ويبين الباحثون أن الثورة الفرنسية معروفة بما مارسته من إرهاب تحول إلى نظام سياسي كان يهدف إلى فرض أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة. ونقرأ "ستتطور هذه الممارسة بشكل كبير خلال القرن العشرين مع بروز الأنظمة الشمولية وأعمال العنف واسعة النطاق".
وهنا يتبنى المؤلفون صفة أطلقها المؤرخ باتريس غينيفيه على هذه الممارسة بقوله إنها "نتاج الدينامية الثورية". ونقرأ في الكتاب "يمثل الترهيب ونشر الذعر أساس الترهيب الحديث والأنموذج الذي يتحدد ويُفهم على أساسه استخدام جهاز الدولة العنف بطريقة ستراتيجية".
وبذا تحول استخدام العنف والترهيب إلى سياسة تبنتها الثورة التي قامت من أجل تحقيق المساواة ثم راحت توجه ضرباتها بشكل عشوائي ولا عقلاني حسب مشيئة المتحكمين بها لا سيما في المناطق الريفية. وينبه الباحثون هنا أن علينا ألا ننسى أن الدولة التي تتأسس على ثورة غالبا ما تشرعن الترهيب وأعمال العنف للتخلص من الأعداء الداخليين.
أوروبا وانتشار العنف والفوضى
خلال القرن التاسع عشر بدأت تيارات فوضوية وعدمية وشعبوية وماركسية وفاشية وعنصرية تمارس أعمال عنف وترهيب في مختلف أنحاء أوروبا ويرى الباحثون أن أهم أسبابها كان الفقر المدقع المنتشر واهتمام فئتي الطلاب والبروليتاريا بتحسين الوضعين الاقتصادي والاجتماعي.
شهدت بعض الدول ظهور تنظيمات وجماعات منظمة فيما شهدت دول أخرى مثل فرنسا أعمال عنف فردية خلال العقود الأخيرة من القرن نفذها فوضويون أفراد ضد برجوازيين ونكتشف من خلال قراءة الفصل الخاص بهذه الحقبة بأن "سكان فرنسا كانوا يعيشون في حالة رعب دائم من هجمات وأعمال عنف خلال السنوات 1892-1894 حتى أن صحف ذلك الزمان خصصت لهذه الحوادث زاوية دائمة تحت عنوان الديناميت".
وفي إسبانيا وإيطاليا أراق فوضويون دماءا أيضا وبلغت هذه التحركات أوجها مع اغتيال سراييفو المسمى "اغتيال القرن" والذي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى ثم إلى نشوء "إرهاب الدول" المتمثل بعدد من الحركات التي وضعها الباحثون في خانة واحدة وهي اللينينية والستالينية والفاشية والنازية. وبعد ذلك ما لبث الإرهاب أن انتشر في آيرلندا في القرن العشرين ثم في الهند التي كانت مستعمرة بريطانية فيما تعرضت الأمبراطورية العثمانية قبل سقوطها إلى أعمال مشابهة على يد مجاميع أرمنية ومقدونية، حسب ما ورد في المؤلف.
يتطرق الكتاب إلى أعمال العنف التي رافقت الثورة البلشفية في روسيا حيث أدان لينين الإرهاب الفردي ثم ما لبث أن أسس شرطة سياسية سوفيتية كانت مهمتها محاربة مناهضي الثورة. ويرى الباحثون أن أنظمة سياسية عديدة ستتبنى هذه الستراتيجية مثل نظام ماوتسي تونغ في الصين وبول بوت في كمبوديا ثم كوريا الشمالية.
حركات التحرر وأعمال العنف
ويرى المؤلفون أن الإرهاب تحول إلى سلاح بيد قوى التحرر في البلدان المستعمرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد جربتها فرنسا في حرب الجزائر ثم ما رافق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فيما تعرضت دول أوروبية مثل إيطاليا إلى أعمال عنف نفذها اليسار المتطرف المتمثل بالألوية الحمر باسم محاربة "النظام الامبريالي" كما ظهرت في ألمانيا مجموعة بادر ماينهوف. ولكن الباحثين يرون أيضا بأن حروب العصابات والأعمال التي ينفذها "المحاربون من أجل الحرية" تعتمد ستراتيجية تقوم على ترهيب السكان واستفزاز السلطة أو الخصم وهو ما يؤدي بالتالي إلى نشر الفوضى والدخول في حالة استنزاف على أمل تطوير الوضع السياسي في المنطقة أو في البلد الذي ينشط فيه هؤلاء المحاربون، حسب رأي الباحثين.
ويستنتج الباحثون بأن "إرهاب الدولة، أي الإرهاب الذي يمارسه القوي على الضعيف وإرهاب الضعيف ضد القوي يشتركان في نقاط عديدة" أهمها هو " نشر شعور عام بعدم الأمان. وهذا النوع من الخوف هو ما يسعى إلى نشره الإرهابي سواء أكان في السلطة أم كان يحاربها. الفرق الوحيد هو أن الإرهاب ضد الدولة يسعى إلى زعزعة استقرار السلطة فيما يسعى إرهاب الدولة إلى ضمان استقرار الدولة مع زعزعة استقرار السكان"، حسب ما جاء في الكتاب.
وبعد هذا السرد يركز الباحثون على الفترة التي أعقبت عام 1968 وحتى يومنا ويسمونها فترة "الإرهاب المعاصر" مع التطرق إلى تنظيمي القاعدة وداعش والإرهاب الإسلامي.
تضمن المؤلف الضخم عددا كبيرا من البيانات والتصريحات والخطابات التي وردت على لسان المتشددين من مختلف الأنواع والأزمان. تضمن أيضا سردا تاريخيا بتسلسل زمني لظاهرة ما تزال ماهيتها تخضع لجدال حاد بين العارفين في هذا الشأن وهو يؤكد للقارئ بأن الإرهاب ليس ظاهرة حديثة بالمرة بل رافق تاريخ البشرية على مر العصور رغم أنه لم ينتصر على الإطلاق.
https://www.herodote.net/Histoire_du_terrorisme-bibliographie-573.php

في ثقافات