GMT 9:31 2018 الإثنين 30 أبريل GMT 5:53 2018 الإثنين 30 أبريل :آخر تحديث
روائع عمارة "بلاد ما وراء النهر"

منارة كاليان: تمازج النحت بالعمارة

د خالد السلطاني
 
من ضمن مفردات المجمع المعماري "باي كاليان" Po-i Kalan في مدينة بخارى التاريخية، تتميز منارة <مئذنة> كاليان (1127) فيه، بحضور فاعل وطاغ. وهذا الحضور الخاص والاستثنائي في اهميته الحضرية، الذي يتمتع به هذا الاثر المعماري، مرده، لبس فقط مقدار علو المنارة الشاهق والفريد في آن، وانما ايضاً بسبب خصوصية سماته التصميمية والانشائية. وتاريخ "منارة كاليان"، حافل بالاحداث المثيرة، منذ ان كانت فكرة لدى الحاكم الذي امر بتشييدها، مرورا بظهورها الحضري الراسخ، فضلا على دورها كشاهد (وحافظ!) لوقائع دراماتكية، مرّ بها تاريخ المدينة الزاخر بالاحوال والوقائع.
 
تبدو كتلة منارة كاليان، للناظر، وقد بانت بشكلها الاسطواني المخروطي، الذي يتناقص قطره كلما ارتفعنا نحو الاعلى، هي التى بلغ ارتفاعها نحو 45.6 مترا، وعرض قطرها في الاسفل بنحو 9 امتا، ويصل قطرها في الاعلى الى 6 امتار. (المصدر مابين مدن ازوبكستان، ص. 250)، تبدو كتلتها اكثر رشاقة وثبات؛ وقد ازدانت "شرفتها" العالية ذات ستة عشر نافذة عقدية الشكل، باكاليل من مقرنصات متصاعدة. وثمة "جوسق"،على الارجح، كان موجودا في اعلى المنارة، لكنه الان اختفي، وبدلا منه ثمة شكل غريب، الآن، يكلل تاج المنارة..
 
استخدام الآجر المشوي، كمادة انشائية رئيسية في المنارة، سواء في المنظومة التركيبة لها، ام للتكسية الزخرفية لبدنهاالاسطواني. وقد سعى بناة المنارة، وراء توظيف الآجر، بمختلف انواعه المصقول والمزخرف والمستوي، مع استخدام اساليب مختلفة لطرق رصفه، في الاعمال التزيينية الظاهرة في جميع اجزاء المنارة. كما تم تقسيم بدن المنارة الكلي الى عشرة صفوف من الاحزمة، بمساحات آجرية متباينة، تحيط ببدنها الاسطواني، هذا غير، بالطبع، تلك الفواصل الصغيرة المشغولة برصف طولي للاجر. واتساقاً مع النجاحات الكبرى التى تمت في القرنين الحادي عشر والثاني عشرفي مجال التقنيات "الحرفية" العالية لانتاج الآجر، والاستخدامات الواسعة له كعنصر زخرفي مطاوع، فان معلمي واسطوات المنارة، اظهروا اجتهادا ملحوظا في تكسية سطوح تلك الاشرطة المحيطة، بتنويعات زخرفية مشغولة " كلها: بالآجر. وقد اعتمد البناة على مقاسات الآجر وابعاده، ليكون "وحدة قياسية" <مودولية> تسهم في صياغة تشكيلات تلك الاحزمة، ما اكسب "مناخ" تلك التكسية الزخرفية مزيدا من هرمونية عالية، والكثير من الانسجام. ثمة طنف "افريز"يقع تحت مقرنصات الشرفة العلوية للمنارة مباشرة، ينهي بوجوده "سلسلة" تتابع الصفوف/ الاحزمة التى تحيط ببدن المنارة، بيد ان اهميته لا تقتصر على هذا الجانب لوحده. اذ ادخل المعمار، هنا، "اللون" فيه، كعنصر زخرفي جديد، مشغول بالبلاطات المطلية بالمينا والملونة بلون ازرق سماوي. وتعتبر مداخلة المعمار هذه، اول محاولة (هل اقول تنطوي على جرأة غير مسبوقة؟!) من قبله في استخدام اللون في تزيين المباني في عموم بلاد ما وراء النهر، وربما كان ذلك الاستخدام من ضمن المرات النادرة لاستخدام اللون في عمارة عموم المنطقة وما جاورها. بعد ذلك، وكما هو معروف، سيفرد لعنصر اللون مكانة واهمية كبيرتين في منتج العمارة الاسلامية، وسيكون الهيكل الانشائي كله "ملوناً"، ما يجعل من ذلك احد الخصائص المميزة لتلك العمارة. وفي العموم،
 
فان اساليب استخدام الآجر في تكسية مساحات السطوح الشريطية، التى تحيط ببدن المنارة، "واللعب" على خصوصيته "الهندسية" المنتظمة، مع تنويع التشكيلات الزخرفية بسمات فنية اصيلة، بالاضافة الى تطبيقات رصف الآجر باساليب متنوعة، ما يجعل كل ذلك ممارسة بنائية فاتنة، لا تقل جمالاً وتعبيرية عن من ما تم تحقيقه في "المشهد الساماني" (905)، ولو ان الموضوعة الوظيفية هنا مختلفة عن تلك، وكذلك ثمة تباين في نوعية الاستخدام.
 
تنهض "منارة كاليان" لوحدها في موقعها، مبتعدة قليلا عن مبنى المسجد المجاور لها (الذي كان يربطها مع المسجد القديم الذي دمره المغول في بداية القرن الثالث عشر، من خلال جسر معلق، يتصل بها من سطح المسجد). وهي وان اعادت اشكال المنائر الآخرى الحافل بامثلتها منتج العمارة الاسلامية، لكنها تبقى متميزة، وفريدة في خصوصيتها. وعندما كنت اقف امامها مرارا، في زياراتي الميدانية المتعددة لبلاد ما وراء النهر، متعقبا ودارسا عمارتها المبهرة، كنت اعي تماماً باني تطلعي نحوها، كان يعني تطلعاً الى صيغة استثنائية من ذلك الارث الخاص (والحيّ)، الذي سعت العمارة الاسلامية الى ترسيخ نموذجه المعماري المميز في مشهد البيئة المبنية لمدن كثيرة، ذات خلفيات ثقافية، وحضارية... وحتى "اثنية" مختلفة. فهو وان بدا عنصرا معمارياً يحتفظ "بوظيفته" التصميمية المحددة، بتغليفه فضاء معين (ثمة سلم حلزوني، داخل جسم المنارة، يصل الى اعلى الشرفة، وتبلغ عدد درجاته نحو 140 درجة)؛ لكن حضوره، يظل، ايضاً، يشي بسمات العمل "النحتي"، مكرساُ في بُنيته الوجودية تلك، خصائص الاعمال الفنية، مع المزايا المعمارية. مضفياً بذاك "المعنى المزدوج"، تفرداً واضحاً، استطاع معمار منارة كاليان، ان يزيد عليه اجتهاداً تصميمياً آخرا، بجعل اسلوب زخرفتها، وتنويع مقدار مساحة اشرطة احزمتها ، يمهدان السبيل، لاستيلاد "وهم" تقليل المنظور، من ناحية، وتعزيز الاحساس بقيمة الارتفاع بصرياُ، من ناحية اخرى. كما ان مهارة التكوين ورصانته، بالاضافة الى وضوح "سيلويتها" Silhouette وجلاء تشكيلاتها الزخرفية، كلها تمنح منارة كاليان نوعاً من الاتزان المقياسي، وجوده الذي يرسخ كثيرا من الاحساس بجماليات الاتساق بين "الكل" من ناحية، و"التفاصيل" من ناحية آخرى. وكل هذا افضى في جعل منارة كاليان لتكون نموذجا معماريا، قابلا للاحتذاء والمحاكاة في امثلة معمارية متنوعة سواء تلك المبنية في حدود مدينة بخارى، ذاتها، ام في امكنة بعيدة عنها. وليس صدفةً، ان استذكر، هنا، وانا اشاهد امامي كتلتها "المنحوتة" في الفضاء، كلمات المعمار الرائد "لو كوربوزيه" (1887- 1965)، عندما رأى، لاول مرة، في زيارته لاسطنبول في مطلع القرن العشرين، "منائر" مساجد عاصمة العثمانيين، بارتفاغها العالي، وتميزها البصري، وإثرائها خط سماء المدينة، قائلا "سجلوا في دفاتركم ، ايها السادة، مخططي المدن: عنصر "السيلويت"! ومنذ ذلك الوقت انتبه المخططون لقيمة واهمية هذه العناصر "الفرتكالية" وتأثيراتها الجمالية في تشكيل خط سماء معبر للمدن التى تتواجد فيها. ولعل التميز البصري والجمالي اللذين يسمان "سيلويت" مدينة بخارى، مرده اساسا، ذلك الحضور المدهش "لشاقولية" منارة كاليان، اللاعب الرئيس في ترسيخ خصوصية مخططها الحضري! (*)
 
* (من دراسة موسعة في عمارة بلاد ما وراء النهر. والصور المنشورة هنا،هي من مجموعة صور عديدة، التقطها كاتب المقال، خصيصاً لتلك الدراسة).
 
معمار وأكاديمي
 

في ثقافات