GMT 16:00 2017 الأحد 12 نوفمبر GMT 8:06 2017 الأحد 12 نوفمبر :آخر تحديث
من شاعرية الحلم إلى جماليات اليومي الشائق

مثال الزيادي في: "هسيس في برزخ الأرواح"

عبدالله السمطي
 
 
بعبارة الشاعر بابلو نيرودا:" ما هو الشعر إن لم يساعد على الأحلام؟ " تصدر الشاعرة مثال الزيادي ديوانها:" هسيس في برزخ الأرواح"  لتقرن ما بين الشعر والحلم، هذا القران المدهش الذي استوفته رؤى ونظريات ومفاهيم كثيرة على امتداد الزمان، ضربت فيه الفلسفة، وعلوم البلاغة والجمال والتأويل بأسهم وافية فيه، من أول كتاب : فن الشعر لهوارس وليس انتهاء بالكتاب المبدع الذي وضعه جاستون باشلار بعنوان:" شاعرية أحلام اليقظة " . 
الشعر والحلم صنوا شجرة شعرية سامقة، كلاهما يمتح من الآخر، ويشكل الحلم مصدرا وكنزا لا ينضب من كنوز العالم الشعري بل إن الحلم كان يشكل أفقا جوهريا من آفاق الكتابة الرومانتيكية والمذهب الرومانتيكي، فيما شكل جوهرا من جواهر الكتابة التشعيرية الصوفية، والسوريالية وتيار الوعي. 
في ظل هذا الأفق تقدم الشاعرة ديوانها حيث يتضمن عنوان الديوان إشارة إلى " الأرواح" ما يعني إننا حيال تجربة تصبو إلى الرؤيا أيضا، لتتجاوز عالم المرئي وظلاله، حيث تتوارد دلالات الروح، ودلالات الحلم في مشاهد متعددة من الديوان، وهذا التوارد يعطي الشاعرة مساحة للتأمل الداخلي بقدر ما يعطيها مساحة أخرى لاستشعار الغائب والماوراء من وجهة شعرية على اليقين. 
يتشكل الديوان من (29) نصًّا شعريًّا تغلب عليه رؤية التشكيل الشعري عبر البنى القصيرة، والجمل الشعرية الأكثر كثافة، ولهذا نحن حيال رؤية تتطلب قدرا من التكثيف وإزاحة الإطناب والاستطراد والإبقاء على تقشف العبارات الشعرية ووجازتها. وهذا يجعل القراءة في النصوص قراءة استشفافية واستكشافية معا، للبحث عن الشعري فيما وراء الكلمات وفي بنية المحذوف.
 
التزامن التعبيري:
كثيرة هي الآليات التي يحفل بها الديوان كمرتكزات صياغية تصبو إلى تشكيل العبارة والمعنى، ففي النص الأول المعنون ب:" هدنة كانت بيننا" تستثمر الشاعرة آلية :" التزامن الدلالي" وهي آلية نجدها حاصلة في الشعر بشكل مدهش خاصة في قصيدة النثر، حيث تحدث جملة من الوقائع أو المواقف أو الرؤى في وقت متزامن، وتستطيع الشاعرة الإمساك بخيوط هذه الرؤى المتزامنة وتحركها إبداعيا لتنسج عبرها جملها الشعرية وكأننا نقرأ النص دفقة واحدة . 
وليكن أن نشير هنا إلى مشهدين من النص: 
وأنتَ تنتشي أمام سارية الجامع الكبير
ابن بطوطة عاوده الحنين
رحيقك يلسعني، وثمة أبطال داهمهم الحبّ
طفقوا يغسلون قلوبهم بعطر الموناليزا 
 
- وأنت تنتشي أمام سارية الجامع الأعظم
ترقص الفوانيس قبل إغفاءة يناير
وثلج يستأصل البراءة من عيون العجائز 
 
في المشهدين السالفين ثمة تزامن يحدث عبر وجود الفعل ( تنتشي) حيث خطاب الآخر ( أنتَ) والأفعال التالية، ففيما أنت تنتشي ------- يحدث
في المشهد الأول التزامن مع الفعل المضارع تنتشي الواقع الآن،  " ابن بطوطة عاوده الحنين ... إلخ المشهد"
وفي الثاني " وأنت تنتشي أمام سارية الجامع الأعظم ---- ترقص الفوانيس، وثلج يستأصل .... " 
التزامن حالة تعبيرية دالة تؤكد على وقع جملة أحداث في وقت واحد، كما في المشهد السينمائي مثلا، وهذا يعطي للصورة الشعرية المكتوبة ألقها البصريّ المتخيل حيث يتخيل القارئ حال القراءة وقوع هذه الأحداث والأفعال دفعة واحدة. 
ومن التزامن إلى بلاغة الالتفات: 
 
ستصارعين صفاء الكون
لكن بكاء القصيدة نزيف من الحلم
يجتث شجيرات الياسمين
بكاؤك عذب
فاستمري
بطعم النوى .. وفيه اشتهاء / ص 13 
 
حيث تخاطب الشاعرة ذاتها الشاعرة ، كما تبدي دلالات النص المقتطف منه هذا المشهد، وهو خطاب يعطي كذلك مساحة للحوارية والبوح بين الذات ونفسها كأنه نوع من المونولوج الداخلي الذي يحدث قدرا من التوتر والقلق والسؤال بحيث يفضي ذلك إلى نوع من الدرامية الكامنة التي يستطيع القارئ المتمعن اكتشافها والوصول إلى خواصها. 

شاعرية الحلم: 
تتوطد العلاقة جماليا ودلاليا وتأويليا ما بين الشعر والحلم، إلى مسافات بعيدة فهي علاقة أزلية تجري انبثاقاتها في مختلف أحوال الشعر.  " إن الكلمة تحلم بالكلمة، تحلم أن تطل على كلمة أخرى، تالية أو سابقة، ويبقى الوصول إلى هذه الكلمة رهين التركيب السياقي للنص، فالكلمات لا تتأدى هكذا سدى. إنها تقترب من الكلمات الأخرى من مترادفاتها أو متضاداتها اقترابا حثيثا متأملا. اقترابا تصوغه المخيلة الشعرية، وتصوغه الرؤيا والتجربة. 
تتماس الكلمات مع الكلمات كأنها في حالة حلم. حين تحلم الكلمات بكلمات أخر فنحن حيال أداء شعري ينصهر في تجربة الوعي. الوعي الكامل الذي يتشكل من الوعي واللا وعي. والنص الشعري هو حالة حلم – إذا صح التعبير – جمالي لا ينضج في التو، ولكن تسبقه تجارب وانفعالات ومواقف ورؤى تُمتحن وتسرد وتختزن وتُتأمل. 
حين يكتب باشلار عن شاعرية أحلام اليقظة، يطل علينا من طرف آخر من الحلم. الذي تتيقظ فيه الروح لكنها تترك للمخيلة أحلامها التي تسافر إليها أو تتبعها أو ترقبها. 
وفي أفق هذا فنحن حيال لغة مختلفة، وكيفية خاصة في الأداء الكتابي، تبرز في العمل الشعري عبر الكلمات، التي بدورها لا تقتنص في دفعة قرائية واحدة، بل تقودنا إلى القيام بأكثر من قراءة للوصول إلى بعض الأطراف التأويلية لها، لأن هذه الكلمات تجري في سياق فن الشعر الذي لا يعبأ إلا بما تقده المخيلة من عوالم طليقة، وما ينبسط له عالم الأرواح من أحلام ورؤى. ( عبدالله السمطي: حلم الكلمات، دار السمطي للنشر والإعلام، الطبعة الأولى 2012  ص 6 ) 
الحلم طريقة تجديد للقصيدة، وبعد مهم من أبعاد تجليها " ففي زمن الحلم تنبثق الأشياء من جديد، تتلاقى في قيمها المجردة، تمسح عنها قيم الواقع، أو ما أضفاه الإنسان أو الزمان عليها من تشكلات. الأشياء هنا في طزاجتها وعرامتها معا، ومن هنا فإن الحالم يلاقي الأشياء بصفاء وشفافية، وتلاقيه على وجه الحقيقة، سواء كانت حالمة رائقة، أو كابوسية صادمة. فمن المهم أن الأشياء تتعرف على مياسمها الأولى من جديد" . ( السابق ص 18) 
في نص :" أحلام بطعم الخناجر" تنقل الشاعرة الطرف السلبي من الحلم، الحلم غير السعيد أو الشافّ بأشواق الروح، تنقله عبر جمل شعرية قصيرة مكثفة : تنبت أغصان زيتون لم تعد تثمر
سوى بقايا جثث دون هوية
وصورٍ باهتة لما خلف الأفق / ص 14 
 
سنغض الطرف عن المقطع الأول من نص:" ولا ذكرتك إلا تهت من طرب" لأن الشاعرة أرادت فيه أن تلوذ بالشعر التفعيلي المقفى لكنها لم تدرك أبعاد الحرص على الوزن واستقامته، ولهذا فإن ما هو نثري هو الأقرب هنا للقراءة والتأمل خاصة لأنه ينفتح على العالم من دون الحاجة للأدوات الكلاسيكية التي تسيج النص بقدرات إيقاعية أخرى من المفترض أن تكون طوع يد الشاعر أو الشاعرة عند الكتابة. 
وبوجه عام النص غير متجانس تعبيريا ولا يعني الخروج إلى كتابة قصيدة النثر أن أعيق الوزن عن عمله وأن لا أحتفي بهارمونية القوافي إذا وجدت . 
ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن هناك تفاوتا تعبيريا وجماليا بين النصوص ، فهناك نصوص محكمة التعبير يتجلى فيها التناسق الدلالي، وتأخذ صيرورتها السياقية بشكل يبدي أن ثمة بنية محددة تؤطر للنصوص وتحدد هوياتها التصويرية والتشكيلية، وهناك نصوص بسيطة ربما لم تتأقلم بعد من تماسك اللغة الشعرية وصلابتها. 
فنصوص مثل: أشياء للذكرى ( ص.ص  30-33) و" سفر ذاكرة متعبة (ص.ص 28-29) و دليل الغياب ( 24-27) تمثيلا ينقصها هذا التناسق الفني على مستوى الجمل الشعرية وعلى مستوى البنية. فثمة جمل شعرية تفضي بها إلى التقريرية والنثرية:
- أي نرجسية فتت حلمك الأخير
على صخرة القبح بقيت هناك وبقيت أسير
 
- قتلني قبل أن أقتله
وذلني قبل أن أهجره
وشدني
وهدني
وملت ولا مال
ناءت تحت حمله الثقيل
كل القرارات
كل المصائر
كل الآمال. 
 
وعلى النقيض هناك نصوص أخرى ذات بنى تعبيرية وأسلوبية متماسكة مثل: " احتمالات" ، " كف بملمس الحجر" ، " لم يكن بيدي سوى غصن ياسمين " . 

اليومي الشائق:
يشكل الأفق اليومي بأحداثه وصخبه كنزا دلاليا للتجربة الشعرية، فهذا اليومي يحقق نوعا من المعاصرة للتجربة، ويحقق قدرا من التواصل مع الواقع الذي تحيا فيه الشاعرة، وهذه المعاصرة تجعل نصها يلوذ بما هو حادث فعلا سواء على مستوى اللغة المتداولة أم على مستوى ما يمكن أن أسميه ب:" ذهنية اللحظة" وهي ذهنية تختلف بالتأكيد من عصر إلى عصر ومن مرحلة إلى مرحلة. 
بيد أن اليومي متعدد المستويات، فليس بالضرورة أن كل ما يحدث يوميا يصلح للخطاب الشعري ويصلح أن يتشعرن، فهناك فنون أخرى ربما تكون قريبة أكثر من اليومي مثل القصة القصيرة أو الرواية أو شعر العامية، لأن للشعر فضاءاته الأخرى التي تمزج بين الأشياء والمتضادات والفيزيقي والميتافيزيقي. 
في ظل هذا الوعي يمكن لنا أن نرى تدرجات اليومي وقسماته حين تعلو على ما هو حسي مبتذل وتذهب إلى ابتكار كينونات خاصة قريبة من الذات الشاعرة نفسها ، كما في هذا المشهد: 
خذلتني قهوة الصباح
ووسادتي الباردة
وفكرتي التي أدارت وجهها صوب البحر 
الزمن الذي يرقص قرب ظلال القلب
وحدها عيونك يطل منها الفجر
وتمثال بوذا حين ابتسم لي
لم تكن قصيدتي ممرًّا آمنا يُجهش بالرغبة
كانت خطيئة في ليلة الميلاد. / ص 10 
قهوة الصباح، والوسادة الباردة والاتجاه صوب البحر حتى ليلة الميلاد من الأشياء التي عايشتها الذات الشاعرة وعبرت عنها بشكل متألق، يغفل ما هو مبتذل ويذهب إلى المتسامي وهذا في رأيي هو روح الشعر ومغزاه الدال الذي يبحث عن الأنقى والأرحب. 
وقد تنتشر الأشياء المشاهدة يوميا مثل هذا المشهد:
كف بملمس الحجر
ضفائر عروس
محمرة الوجنتين
أهازيج الأعراس
زغاريد الفرح
فأس تعصف بغابة
تدفئ قلب جرو صغير / ص 38 

إشارات متنوعة: 
وتتجلى بالديوان جملة من الإشارات التناصية إلى الحلاج وابن بطوطة والموناليزا وسندباد وسيزيف  وبوذا ولقمان الحكيم  وموسى (عليه السلام) والمعتصم والمعتمد والسرقسطي، وولادة، وهي إشارات لا تذهب بعيدا في استقصاء تفاصيل ما تكنه هذه الشخصيات أو المسميات ، بل تكتفي بوضعها في النسق العباري للجملة الشعرية وعلى القارئ أن يستقطر حضورها الفني أو التاريخي أو الشعري أو الأسطوري. 
في التناص مع حكاية سندباد لا تسرد القصة ولا تعطي إشارات رمزية للقارئ، ولا تقدم تفاصيل عجائبية وأسطورية كما كنا نجد عند رواد الشعر الحر كما عند السياب وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي وعبدالوهاب البياتي – تمثيلا- لكن نجد إيماءات وإشارات مكثفة يصنعها التأمل التجريدي في الحكاية وشخصياتها وأحداثها، فترسم الشاعرة عبر ثلاثة مشاهد مكثفة صورة أخرى لسندباد الذي توقف عن السفر وتوقف عن رحلاته وعن الكشف عن المجهول والبحث عن المعرفة، وتحول إلى مجرد تمثال لا يستطيع أن يتحرك أو يتأمل في البعيد أو يحلم برحلة جديدة، تقول في نص بعنوان:" سندباد بلا سفر" :
واقفًا كتمثال شمع
كان يشدُّ بيده
آخر خيوط الأمل
ويرنو إلى بُعد المسافات
خلف سراب النجاة
وصدى صوته 
خجل من الارتداد
سندبادُ الحكاية
اعتزل البحار
واعتكف خلف أسراره الهوجاء
بلا شغف
ولا رغبة
في البكاء / ص.ص 52-53 
إن مصدرية الجمل الشعرية  لدى الشاعرة أحيانا تؤول إلى ما هو جمالي شعري خالص، أو تستلهم بعدًا صوفيّا أحيانا أو بعدًا يقتنص جمالية الحكمة والأثر :" التوحد غاية العاشقين، ومطلب المحبين القانتين أمام محرابك " / 57 أو " مع شهقة الولادة سيغدو العالم أفضل، إن نحن احتسينا زفراتنا كل صباح" / ص 76 
كما أن الشاعرة تركز في بض نصوصها على ثنائية الموت والخلود، والحلم والواقع اليومي المحسوس، وهي في هذا التركيز تصبو إلى تقديم حالاتها الشعرية التي تشحن برؤى ومواقف متنوعة خصبة تبدي لنا القسمات التعبيرية لدى الشاعرة فيما تصبو لأن تقدم الهواجس الكامنة في الوعي بقدر من التكثيف والإشارة ومراودة السؤال . 
 

في ثقافات