GMT 7:34 2018 الجمعة 5 يناير GMT 11:20 2018 الثلائاء 9 يناير :آخر تحديث

شوبنهاور وفلسفة التشاؤم

حسونة المصباحي
 
 
تميّز الألماني أرتور شوبنهاور بجعل التشاؤم الركيزة الأساسية التي إليها تستند فلسفته . به تأثر فلاسفة ومبدعون كبار أمثال فرويد، وجيمس جويس، وصامؤيل بيكت، وشيوران، وألبير كامو، وأوجين يونسكو وآخرون . وكان والده هاينريش فلوريس شوبنهاور تاجرا يقيم في مدينة دامنتزيغ الواقعة على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وبولونيا. وقد تزوج من إبنة تاجر تدعى هنريات. وكان يكبرها بعشرين عاما عام 1785. وقبل زواجه كان قد سافر كثيرا عبر البلدان الأ وروبية ليتأثر بالأفكار الليبيرالية والتحررية التي كانت رائجة في فرنسا. وكان يحرص على قراءة جريدة"التايمز" البريطانية ليتابع من خلالها أخبار العالم، وتعاليق المختصين في الشؤون السياسية والقضايا الفكرية. أما والدة ارتور شوبنهاور فقد كانت سيدة جميلة، وأنيقة عاشقة لأدب . وكانت تقبل بالخصوص على قراءة الروايات والمسرحيات والقصص بشغف محموم. وبعد مضيّ عامين على الزواج، سافر هاينريش فلوريس شوبنهاور برفقة زوجته الشابة إلى بريطانيا قصد التفسح. حال وصولها إلى لندن، أحست الزوجة أنها حامل. لذلك قرر الزوجان العودة فورا إلى دانتزيغ . وكانت رحلة العودة عسيرة بسبب عواصف هوجاء اجتاحت المانش . وبعد ولادة اترتو شوبنهاور عام 1788، قرر والده الإستقرار في هامبورغ مواصلا أعماله التجارية.
 
وفي عام 1799، رافق ارتور شبونهاور والده في رحلة طويلة زارا خلالها العديد من المدن مثل هانوفر، وفايمار، وبراغ، وبرلين. وخلال تلك الرحلة ، ورغم صغر سنه، حرص الفتى أرتور على تدوين يومياته مضمّنا إيّاها مشاعره وأفكاره وهواجسه. وقد و واصل كتابة تلك اليوميات خلال الرحلات التي قام بها برفقة والده إلى هولندا، وبريطانيا ليتحدث عن العذاب الإنساني خصوصا بعد أن شاهد شخصا يُعْدَمُ في الساحة العامة في لندن. وفي شتاء عام 1803، سافر الفتر أرتور إلى باريس ليشاهد المسحيات الشهيرة في \لك الوقت، وليزور متحف اللوفر ، وقصر فارساي. ومن باريس انتقل إلى سويسرا ، ثم إلى النمسا. وعند إنتهاء تلك الرحلة التي فتحت عينيه على العالم ، كتب أرتور شوبنهاور في يومياته يقول : »إن الحياة تبدو مشكلا عويصا للغاية....وأنا قفررت أن أهب حياتي للتفكير في ذلك".
 
في عام 1806،إنتحر والد أرتور شوبنهاور عقب خلافات عاصفة مع زوجته التي كانت تخونه. بعدها استقرت العائلة في مدينة فايمار .وهناك اهتمت والدة أرتور شوبنهاور بمداواة الجرحى الذن أصيبوا في معركة ّإينا" بين الجيش البروسي وجيش نبليون بونابرت. أما هو فقد إنتسب إلى معهد"غوته" إلاّ أنه سرعان ما فصل عن الدراسة بسبب قصيدة كتبها مُتهَكّما على أحد أساتذته. بعدها التحق بكلية الطب في مدينة توبنغن ليشرع في دراسة التشريح. ومرة أخرى لم ترق له الدراسة في كلية الطب فتركها غير آسف ليلتحق بكلية الفلسفة في نفس المدينة. وفي تلك الفترة، اكتشف أفلاطون،وأرسطو،وكانط، وشرع في قراءة آثارهم بكثير من الشغف والفضول. وفي عام 1811 التحق بجامعة برلين ليواصل دراسة الفلسفة. لكنه سرعان ما ضاق بدروس فيخته. لذلك كتب في يومياته يقول:» عليّ أن أعترف أن ما يقال هنا غامض للغاية، لكن من المحتمل ألاّ أكون قد فهدت معانيه جيدا". وشيئا فشيئا تحوّل الإرتياب إلى غضب .وها أرتور شوبنهاور يتمرد على فيخته ناعتا دروسه ب"الثرثرة الفارغة".
 
عند عودته إلى فايمار عام 1813، نشبت خلافات حادة بينه وبين والدته التي كانت تعيش حياة خليعة، متحررة من كل القيود . وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه في الفلسفة بامتياز، التقى بغوته ،وتعرف على المستشرق فريدريش مايار الذي لقّنه بعض المبادئ البوذية. وقبل نهاية العام 1813، اندلعت الخلافات مجددا بينه وبين والدته فغادر فايمار ، قاطعا صلته نهائيا بها. لكن الصدمة القاسية لم تشغله عن الإستغراق في كتابة مؤلفه الشهير" العالم كإرادة وكفكرة".
 
في خريف عام 1818،وبعد أن ارتبط بعلاقة مع خادمة حبلت منه، سافر أرتور شوبنهاور إلى إيطاليا حاملا رسالة من غوته إلى الشاعر البريطاني اللورد بايرون. وكان يتجول في ساحة"الليدو" في فينيسيا بصحبة إيطالية عشقها، مرّ اللورد بايرون ممتطيا صهوة جواد أصيل. عندئذ صاحت الإيطالية وفي عينيها بريق الإعجاب : »ها هو الشاعر الإنجليزي العظيم!». ثم ركضت خلف الحصان راغبة في التحدث إلى صاحبه. وفي الحين عصفت الغيرة بقلب شوبنهاور فمزق رسالة غوته، وهو يصيح:»لا أريد أن أكون رجلا بقرنين".
 
في عام 1819، عيّن شبونهاور أستاذا للفلسفة في جامعة برلين. ومنذ البداية حرص على أن يعطي دروسه في نفس مواعيد دروس ومحضرات هيغل. ولكنه فشل في هذا التحدي إذ لم يكن يحضر دروسه سوى أربعة طلبة، في حين كانت القاعة الفسيحة التي يحاضر فيها هيغل تغص بالمستمعين.
 
بعد سلسلة من الخيبات المرة، في المجال العاطفي، كما في مجال التدريس ، استقر شوبنهاور في فرانكفورت . وفي تلك الفترة من حياته، بدأ يميل إلى العزلة . وكان يحمل معه دائما مسدسا صغيرا خشية تعرضه لهجومات مفاجئة. كما أنه كان يحرص على استعمال نفس الكأس تفاديا للعدوى. وفي شقته، كان يعلق صورة لكلبه ،وصورة لكانط، وصورة لأفلاطون. وفي عام 1837، أسعفه الحظ فأحرز على جائزة المسابقة الفلسفية التي نظمتها الأكاديمية الملكية في النرويج.
 
بعد أن تجاوز شوبنهاور سن الستين، بدأت شهرته تتسع وأخذت أفكاره وآراؤه الفلسفية تعرف رواجا هاما في الأوساط الفلسفية في أوروبا بأسرها. وقد أمضى السنوات الأخيرة من حياته متّبعا البرنامج التالي : الصباح مخصص للعمل، بعدها يعزف على القيثارة بعض ألحان روسيليني، ثم يطالع بعض الكتب. عند الظهيرة، يخرج للنزهة برفقة كلبه. أواخر الظهيرة، يقرأ"التامز" في كازينو المدينة، ثم يتناول العشاء في فندق" انجلترا" .وأحيانا يسهر في الأوبرا.
 
وفي 21 سبتمبر -ايلول-1860، توفي أرتاور شابنهاور .وكان عمره 72 عاما .

في ثقافات