GMT 13:08 2017 الثلائاء 10 أكتوبر GMT 13:32 2017 الثلائاء 10 أكتوبر :آخر تحديث
اصعدْ إلى عليائكَ فيّ

فاطمة نزّال: نبرات شعرية صوب إشراقات الرؤيا

عبدالله السمطي
 
عبر أقسام ثلاثة تقدم الشاعرة فاطمة نزّال رؤيتها الشعرية في ديوانها :" اصعدْ إلى عليائكَ فيّ" ( مكتبة : كل شيء، حيفا،  الطبعة الأولى 2017 ) 
 كل قسم يحمل عنوانا ما ليومئ إلى جملة من النصوص التي تتقارب دلاليا وشكليا، لا باعتبار الشكل هنا بنية هيكلية، ولكن باعتباره هو الرسالة أيضا بحسب ما ترى الرؤية البنيوية للنص الإبداعي حين يقرر موكارشوفسكي – تمثيلا - : إن ما هو أدبي يشير إلى تلك الرسالة التي يعتبر شكلها لا مضمونها هو موضوعها الحقيقي" . إن الشاعرة لذا تلجأ لتقسيم ديوانها ربما لتقدمه للقارئ في سياقات شعرية متضامّة تجعل القارئ يستروح حينا أو يبحث عن اختلاف ما بين الأقسام الثلاثة حينا آخر. وهي في هذا التقديم تصبو لأن تقبض على رؤية ما تشكل الخيط الدلالي الناظم لهذه الأقسام، وهو خيط على اليقين ممهور برؤية الذات ومكابداتها وتأملاتها لهذا العالم أو لتفاصيله وأجزائه وحركته. إن الوعي الشعري سيكون له الدور الباذخ ها هنا. لأن المكابدة والتأمل ينبعان من ذات تسعى لأن تشفَّ فيما تسعى لأن تبوح وتعطي هواجسها الشعرية. 
وعناوين الأقسام الثلاثة هي: "قالت أمي : سيدة هذا الكون أنتِ "، :" ادخل دهاليزك المعتمة لترى النور " لا مستور بين طيات الكلام " في كل قسم نحن حيال رؤية شعرية نابعة من الذات الشاعرة تتلاقى أو تختلف أو تتكامل لكنها تتلاقى بالنهاية في ومضات الذات وتأملاتها. لتشكل نوعًا من نبرات الكلام التي تبحث عن رؤيا ما في أفق القصيدة.
 
حضور مخايل:
للأم حضور مخايل بالديوان، ففي قصيدة بعنوان:" دفء" تنهمر الدلالات الشعرية لتوصيف مشهد حضور الأم، وتصاغ عبر تذكر بعض المشاهد الحانية التي تنهض بها الأم، من لمس الجبين، وقراءة المعوذتين، وبعض التراتيل، ورش الملح. وهي مشاهد صغيرة لكنها تكمن في الذاكرة لتخايل الوعي كي يستشرفها من جديد. 
إن الشاعرة صدرت عنوان القسم الأول بالقول:" قالت أمي: سيدةُ هذا الكون أنتِ" على اليقين التصدير يومئ إلى هذه العلاقة الباذخة بين الأم وابنتها. الابنة تقرر هذه الجملة التي تقولها لتندرج في أفق شعري، فالكلمات البسيطة التي تقولها الأم تصبح لها جموحها الدلالي حتى لو تفلتت مضمونيا. هي بمثابة تحفيز وإذكاء لروح المغامرة والجدّ معا. 
وفي نص :" آلهة" تقلنا إلى هذا المقطع الشفيف:
حين كانت أمي ترتق الوقت بخيط صبرها
وتهيلُ على الوجع تراب قلبها
لم تكن تحب البكاء، لكنه كان يتفنن
في وخز مآقيها . / ص 30 
واستدعاء الأم والحنين إليها، يحولها إلى حالة قداسة ترميزية، لتستدعي كل أم وليست أما واحدة، وتستدعي معها ترميزاتها عن الأمكنة والأرض والبلاد، فيما تؤكد على يقين الخلاص القادم: 
حين سأتعمد في طقوس انبعاثك فيّ
سأحمل الصليب على ظهري وأسير نازفة الخطا
لكنّ قامتي تُعانق السماء . / ص 31 
 
ويحضر صوت الأم  مرة أخرى في قصيدة: انبعاث / ص 46 لتعزيز المعنى  الكلي للديوان :" الأعالي" مؤكدة على العبارة التي عنونت بها القسم الأول:" قالت أمي: سيدة هذا الكون أنتِ. إن اخترق بسناه روحك" . إنه الضوء. اليقين الأبدي للذات الشاعرة. 
بيد أن هذا الحضور للأم، يكتمل في أفق آخر، هو الأفق الروحي الصوفي الذي يجدل رؤية القلب ويحدد وجهاتها بدءًا من النص الأول المعنون ب:" فيءُ النرجس" وفيها تخاطب الذات الشاعرة القلب أن يمضي على دربه، وأن يدع للمتربصين خيبة التصويب ولعنة الوشاية" الشاعرة في لحظة تجريدها للقلب تخاطبه روحيًّا:
سرْ لا تنتعلْ خطاكَ غير التيه
فدرب المريد شائكةٌ 
غابة عذراء لم تمسسها سوى قُبلِ الندى
وظلّ السحاب / ص 18 
وينحدر الموت من أصواب عدة، مفترعًا للحزن، والمكابدة، لكن الذات الشاعرة تبحث عن يقين ما وضوء يحفز، في مخاطبتها حلكة الليل:
اتركي لي فجرًا يبزغُ
من بين خيطين وشمسًا خجولةً
تقبّلُ نافذتي الحزينة وتشرعُ في قلبي
ألف باب . / ص 19 
إن الذات الشاعرة المسكونة بهاجس حضور الأم المخايل، وبالبراءة، وبالطفولة المستدعاة، مسكونة أيضا بالتأمل والتمرد على  حواجز الموت التي يصنعها الاحتلال الصهيوني، وبالسعي للبحث عن نقطة ضوء، ربما تشكل خلاصا جديدا، ومسكونة بالبحث عن جوهر الأنا، ربما تعثر عليه، وهي حين تزجي قصيدة تعبر بمشاهد متعددة عن مأساوية الصورة التي تمتزج فيها دماء الأطفال الشهداء بالأرض، وأحيانا بالبحر معبرة عن " طزاجة الدم والرائحة والجرح لنازف" كما في نص:" إلى صديقتي" لا تتوقف عن البحث عن الأنا، خلاصا من الألم.
بصيرة البحث عن الضوء:
على اليقين الضوء ليس مجانيا حين يذهب أكثر في جوهره، وحين يكون خالصًا لنوره، وضوء الشعر هو ضوء آخر. ليس هو النور الساطع الوهاج تماما، إنه ضوء آخر، ضوء جدلي يحاور العتمة ويستنطقها لترى أبعد. هكذا يدلنا الشعر بداءة إلى ضوئه، الذي يمزج الفيزيقي بالميتافيزيقي، واللغة بالميتا لغة،  ويمزج المحسوس بالمعقول، ويعيد ترتيب نسقية الأشياء ودلالاتها من جديد. 
والبحث عن الضوء أحد هواجس ديوان فاطمة نزّال، وهي تصدر القسم الثاني بعبارة:" ادخل دهاليزك المعتمة لترى النور" فالنور يسطع من الداخل لا من الخارج بالضرورة، نور الخارج هو لبيان علامات الأشياء، أما نور الداخل فهو رؤية وبصيرة وإحساس بهذه الأشياء بالخارج، وهو ما تحدده الشاعرة في نص اكتمال:
وإنني امرأة
تدركُ التباس المعنى
حين تتسطّحُ الأشياء والأفكار
ترى بعين بصيرتها ما توارى
وتتجاوز عن الضدّ بالضدّ
تسمو في علياء ذاتها. / ص 48 
الرؤية بعين البصيرة، والصعود إلى العلياء، في داخل الروح أو في سماواتها المطلة على المطلق. في الرؤية الصوفية التي تفتح للشاعرة فضاءات ومسارب دلالية متعددة، في العلاقة مع الماضي، مع الطفولة، مع الأم، مع الذكرى، مع بصيص الأمل الذي يضوع من دم الشهداء، في كل هذه الدلالات ينسرب ضوء القصيدة ليلامس معنى أو يشارف صورة أو مشهدًا. 
على أن هذا الحضور المحفز يقل الشاعرة إلى أن تواجه لتتأمل أكثر، في مقابل استدعائها لطفولة تحفز أيضا بطقس آخر هو طقس : البراءة. كأنها مرحلة تنقي الروح وتحفزها أكثر بمرحلة البدء التي هي أكثر أسئلة وأدعى لملامسة أجزاء العالم وتفاصيله بمخيلة صافية : 
أيها الموت أسرع بخطاك
واحصد ما استطعت من أرواحنا
فالبيادر غلالٌ من أجسادنا
الدماء جداول
والأرض باقية باقية / ص 35 
وفي مقابل تحدي الموت، هناك مقاومة أخرى بالارتداد إلى زمن البراءة، والعودة إلى تلمس الأشياء في براءتها لتتفتح من جديد كما في نص بعنوان:" براءة" : 
ردني طفلة
لأعيد تشكيل السنابل في ضفيرتي
لأرسم قلبا لم يشقه سهمٌ طائش
لقصة حب بلهاء ...
الخواء والضجر من الأشياء، ص 44 
وإذ كان الجزء الثاني حمل عنوان :" ادخل دهاليزك المعتمة لترى النور فهو يتساوق أكثر مع حالة البحث عن ضوء، ونصوصه تنسجم دلاليا في استشراف هذا البحث، في الأفقين: الزماني والمكاني، فيما إن المجال الرومانتيكي للحب يعتاد على النصوص كثيرًا ، في هذا الجزء كما في نصوص: اكتمال، غواية، أول الغيث - تمثيلا-  وكما في نص " قبلة" :
دثرني بأهداب عينيك
ولا تخش ثورة الدمع إن انهمرت
فإنني أحتاجُ التعمد بطهرها
حانت طقوس الانعتاق
فتعال ندرك بعضا من عصارة الحب نبيذًا
يثملُ من رحيق الزهر
ويشجي حروف القصيدة / ص 51 
ويتكامل هذا المجال مع الأفق الصوفي الذي يسم النصوص بحقول كلماته الدالة كالوصال والانتحاب والوجد والحنين والبسط والقبض، بحيث تستظل بعض النصوص بظلها الإشراقي الباحث دائما عن لحظة ضوء، كما في " غواية" و" تجريدية"  مكثفة ذلك في نصوص لها أبعادها  الرومانتيكية والروحية والإيروسية أحيانا، فيما تظللها كذلك بالأبعاد المكانية، والوطنية، والتمسك بالهوية والأرض وجغرافيا الحنين الفلسطيني :  
اشربوا نخب الوصال
من دموع انتحابي
يا كل المقهورين بالوجد
المصلوبين على بندول الساعة
لا تحدقوا كثيرا
ولا تنتظروا
اتركوا للحنين مسافة
لا تستمطروه . / ص 57 
رائيةً  في ذلك رؤيتها الجدلية التي ترى أن العتمة أهم من النور، أو أن الطريق للنور لابد أن يمر عبر عتمة ما ، حيث تؤكد على ذلك في نص: "مطلق" :
استشعر الدهشة واتبعها
استقرئها.. سافرْ بعيدًا
ادخل في دهاليزك المعتمة لترى النور 
هل جربتَ ولوج العتمة وأنرتها بروحك؟
العتمة أقوى من النور 
ما بين العتمة والنور تجد السرّ فيك
اتبعها .. هي الأصدق. / ص 68 
 
طيات الكلام
ينطوي الجزء الثالث : لا مستور بين طيات الكلام على جملة من النصوص القصيرة من دون عنونة، وتشكل المساحات البيضاء بينها فواصل للتوقف من أجل تأملها وقراءتها، في هذه النصوص القصيرة نلمح تنوع حالات الذات ما بين الغوص في الأفق الرومانتيكي، وتجليات الكتابة والحروف والشغف إلى المنتهى، والبحث عن النور والرؤيا والرضا، والذكرى، والدهشة، متشحة بأبعاد صوفية حينا ورومانتيكية حينا آخر، كما في هذه المشاهد: 
- لا مستور بين طيات الكلام
ابقرْ بطن السطر
ودع دمه يسيلُ على المجاز / ص 96 
 
- وفتحتَ إذ أبصرتني أزرار حرفك
ولملمت بكف الحب
ما تفتّح من أزاهير الحديقة ... / ص 105 
 
- تهيمُ روحي
تتبعُ ظلّ المعنى
تلتقط السرّ
وتحلّق بانتشاء  / ص 108 
 
وبشكل مكثف يمكن الإشارة إلى أن الشاعرة تشبع نصوصها  أحيانا من جهة إكمال النص حتى لو كان قصيرًا، وهي إذ تكمل نصّها لفظا ومعنى لا تترك للقارئ فرصة أن يتخيل وأن يشبع مخيلته هو وأن يركض بأسئلته تجاه النص، فيما تعاني بعض النصوص من التبريرية والنثرية وهي تبريرية لا تجعل المتلقي مشاركا في صنع دلالة النص أو تأويله أبعد. لكن الديوان في مجمله يشي بتأكيد يقين جمالي تمتزج فيه الرؤية الرومانتيكية بالإشراقية الصوفية الباحثة عن رؤيا، بالحنين إلى ملاعب الصبا من جهة ومدارج الروح من جهة ثانية، بلغة تسعى إلى أن تتكثف أو تتقشف، باسطة فضاءها للقراءة والتأمل الشفيف. 
 

في ثقافات